حسين عثمان يكتب: جميعنا مُطَالَب بإثبات حُسن الوطنية!

حسين عثمان 

في واحدة من يومياته المنشورة في مجلد ضخم عن قطاع الثقافة بمؤسسة أخبار اليوم، يحكي الأستاذ محمد حسنين هيكل عن كلمة حق باغته بها اللواء عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة في هذا الوقت من عام 1956، ولم تكن كلمة الحق إلا عن مهنة هيكل، عن الصحافة، وقد استهلها عامر بسؤال إلى هيكل: “ما الذي تقصده الصحافة المصرية من كل هذه الجرائم التي تملأ بأخبارها صفحاتها؟”.. وبينما يهم هيكل بالإجابة، استطرد عامر: “انتظرني حتى أشرح لك وجهة نظري”.. فانتظر هيكل مُنصتًا، وعلى حد تعبير هيكل: “وبدأ القائد العام، القادم من الصعيد، يستعير من شمسه الساطعة وضوحها.. وحرارتها.. ولهيبها أحيانًا!”.

وأسهب عبد الحكيم عامر يشرح وجهة نظره: “لقد شغلتني هذه المشكلة مرات كثيرة، مرات كثيرة كنت أمسك فيها إحدى صحفنا – أي صحيفة منها لا أقصد بينها واحدة بالذات – فإذا أخبار الجرائم فيها تطغى على كل ما سواها!.. وكنت أنحي هذه الصحيفة جانبًا وأنا أشعر بضيق، وأسأل نفسي: لماذا هذا الاندفاع وراء نشر أخبار الجرائم؟.. ولم يكن هناك مفر من مواجهة نفسي بالإجابة: الجرائم عنصر هام من عناصر الإثارة، وأعود أسأل نفسي: ولكن ما قيمة هذه الإثارة إزاء الضرر الذي قد تسببه؟.. وتطوف بفكري ساعتها مخاوف تثير قلقي، أي تأثير في شبابنا الطالع مع الأيام، يمكن أن تحدثه مثل هذه الأنباء”.

يكمل عامر: “في الدنيا كلها تحدث جرائم، وصحافة الدنيا كلها تنشر جرائم، ولكن – بصراحة – صحافتنا تجاوزت كل حدٍ معقول، لست صحفيًا ولا أنا خبير بشئون الصحافة، ولكن بتفكيري ومنطقي الخاص أعتقد أن الصحافة رسالة، وككل رسالة يجب أن يكون لها هدف، وحتى في نشر أخبار الجرائم لا ينبغي أن تنسى الصحافة رسالتها وهدفها، هكذا أعتقد أنا، ليس معنى ذلك أني أقول إن على الصحف أن تمتنع عن نشر أخبار الجرائم، فلست من أنصار سياسة النعام، يدفن رأسه في الرمال حتى لا يرى الخطر، أبدًا، أنا أقول إنه ما دامت هناك جرائم فمن حق الناس أن يعرفوا أخبارها، ولكن على شرط”.

يواصل عامر: “على شرط ألا يكون كل ما تنشره الصحافة جرائم، وما دامت مهمة الصحافة أن تنشر صورة كاملة لحياة عالم بأكمله، فإن الجرائم يجب ألا تشغل من الصفحات أكثر من الحيز الذي تشغله في الواقع، قياسًا إلى حياة عالم بأكمله، وعلى شرط ألا يكون الهدف هو الإثارة، الإثارة والسلام، وبشرط أن تكون هناك فكرة وراء ما يُنشَر، فكرة تُوجِه، وتُعلِم، وتبني، وليس معنى هذا – مرة ثانية – أني أطالب الصحف أن تنشر أخبار الجرائم بأسلوب الحِكَم والمواعظ، جافة، ذابلة، خالية من الحياة، لا، ولكني لا أستطيع أن أهضم الطريقة التي تجري عليها الآن، لا أستطيع أن أهضمها لنفسي، ولا لغيري”.

ثم يحكي عامر عن واقعة متصلة بالموضوع بطلتها ابنته: “لقد أحسست أمس بالذات بضيقٍ شديد، جلست أقرأ الصحف وبجواري ابنتي الصغيرة، لا يزيد عمرها على ثماني سنوات، كنت ممسكًا بصحيفة، وكانت هي ممسكة بصحيفة ثانية، ونحيت الصحيفة التي كانت بيدي وقلت لها: هيه.. ماذا تقرئين؟.. وكانت مستغرقة فيما تقرؤه، ومددت بصري فإذا هي تقرأ تفاصيل جريمة راقصة قتلها زوجها، وتحايلت بهدوء حتى أخذت منها الصحيفة التي كانت تقرؤها، وجرت عيناي على السطور التي كانت عيناها تجريان عليها قبلي مباشرة، سطور مؤلمة، مروعة، سطور يروي فيها القاتل كيف قال لزوجته الراقصة: اديني بوسة؟.. فإذا هي ترفض.. وإذا هي تتهمه في رجولته”.

يعلق اللواء عبد الحكيم عامر: “آسف.. ولكن تلك – وأكثر منها – هي نفس الألفاظ التي استعملتها الصحيفة، تلك التي تتداولها أيدي ألوف الناس، بينهم الرجال والنساء والأطفال، بينهم من هم في سن ابنتي.. هل هذا يجوز؟!.. وأقول لك أكثر: أنا أراه عملية تدمير معنوية ليس لها حدود، وبصراحة أكثر أنا أسأل: أي فائدة لكل ما يُبذَل من جهود إذا كان التدمير المعنوي يهدم ما نبني أولًا بأول؟!.. ثم أنا أنظر لهذه المسألة من زاوية أخرى، زاوية قريبة من عملي كقائد جيش.. هل تظن أن قوة أمة هي مجرد إحاطة حدودها بجيش قوي يملك أحدث الطائرات وأحدث الدبابات وأحدث المدافع؟!.. لا أظن!”.

“إن الجيش الرابض على الحدود سور، مجرد سور حول أرض الوطن، ولكن قل لي: أي فائدة للسور، مهما كان قويًا صلبًا، إذا كانت عوامل التدمير – ولو عن غير قصد – تواصل نشاطها من ورائه؟!.. صدقني.. إن قوة النار وحدها على الحدود لا تكفي، لابد من طاقة معنوية هائلة وراءها تشد أزرها وتقوي عزيمتها، وأسألك: هل يمكن أن نبني طاقة معنوية في شباب يقرأ كل صباح ومساء أخبار قاتل زوجته، وقاتلة زوجها، والتي خانت، والتي هربت، ولا يقرأ غير هذا في صحفه التي يجدها أمامه، ولا يجد غيرها؟!”.. هكذا ختم عامر طرحه، وتُخايلك ملامح هيكل وعامر يطرق انتباهه: “شرحت لك وجهة نظري فما هي وجهة نظرك أنت؟”.. ويؤكد هيكل صدق ما تنهد به آسفًا: “نفس وجهة نظرك”.

أقطع بك الآن أكثر من ستة عقود مرت على يومية نُشِرَت في “أخبار اليوم” بتاريخ السبت الموافق 21 يناير من عام 1956، راجيًا منك أن تدع مشاعرك الشخصية تجاه هيكل وعامر جانبًا مُترحمًا على من لا تجوز عليه سوى الرحمة، فقط دعنا نُسقط رؤية عامر على واقع ما نعيشه اليوم في المشهد الإعلامي بشكل عام، وتوقف مبدئيًا عند عدد وشكل ومضمون ومهنية ومحرري الصحف التي تناولها عامر في طرحه مع هيكل، ومعه عدد سكان مصر ومن بينه عدد قراء الصحف في هذا الوقت، قبل أن تنتقل إلى حاضر مُر مُتخَم بعشرات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي.

زاد الكم بلا ضوابط ولا روابط، وتشابه الشكل إلى حد الملل، وفرغ المضمون إلى حد السطحية، ولا تزال الإثارة تسود الموقف، بل وزاد من فورانها سرعة الأفعال وردود الأفعال على منصات التراشق الاجتماعي، بعدما تضاعفت أعداد المتفاعلين معها إلى ملايين مقارنة بألوف صادفهم قلق عامر وقتها، وصاحبها هوس الترافيك والتريند ولُهاث “ريَكْشَنَات” مارك المؤيدة والرافضة والمُحِبَة والمُحِبَة بزيادة والمُندَهِشَة والغاضبة، وإن اقتصر طرح عامر على ما تنشره الصحف من أخبار الحوادث والجرائم مُغَلفًا بالإثارة على صفحاتها، فلعلك تتفق معي اليوم أن الإثارة هي المنهج الأصيل في تناول كافة الموضوعات في مختلف المجالات سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها.

تزامنت قراءتي ليومية هيكل وعامر مع تناقضات عاشها المجتمع المصري بكل فئاته في يومٍ وليلة ولا يزال، دراما فنية تناولت بطولة وطنية ارتفعت بروحه المعنوية إلى عنان السماء، وفعلت على مدار ثلاثين يومًا ما عجزت عنه صحف ومواقع وبرامج وساسة ومفكرون طوال سنوات عديدة ماضية، فاستحقت عن جدارة وصفها بدراما عودة الوعي، ودراما واقعية لعبت فيها الإثارة على طريقة “اقرا الحادثة” دورها فأخذت من جديد بالوعي بعيدًا لصالح شطط مشاعر الشخصية المصرية التاريخي، وهنا يتجدد هاجس عامر عن ثنائية الجيش المرابض على الحدود، وعوامل التدمير التي تواصل نشاطها من ورائه، ولكن عن عمد هذه المرة، جميعنا مُطَالَب بإثبات حُسن الوطنية!.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.