تامرعبد الحميد يكتب :منير..ملك العرب

كانت هذه ليلته لسنوات عديدة ..ليلة رأس السنة،عندما كانت تزدحم “وسط البلد” و تتسع  دار الأوبرا لتحتوى ساحتها شهيق الحالمين ،لم يعد اليوم مثل البارحة وتغير المشهد مخلفًا وراءه  حنين مكبوت وذكريات لحظات لم نظنهاعابرة ، هناك كان يقف ملكًا متوجًا وسط جماهيره الغفيرة يشدو فيهتز قلب الليل فرح ،لا يكتفي عشاقه بتلك ال”يو”الصادرة من القلب ويطالبون بالمزيد ..يتحمسون لحماسه عندما يقرر أن يكون صوت الجماعة ويهتف” رزقنا” فيردون “الرزق على الله ” ويتحدون معه على قلب واحد عندما يتحدث عن ذاته متعجبًا بهمس حزين  “وكأن العالم مش ملكي” تتوالى الأغنيات  “شتا..شبابيك ..هيه هيه ..شجر اللمون”تبلغ النشوة منتهاها فيرتفع الهتاف “الكبير كبير يا محمد يا منير “.

أجواء نفتقدها،كثيرًا ما بددت حميميتها برد الشتاء وبعثت الدفء في النفوس ،جزء من ذكريات شبابنا لن ننساه ومشاهد بسيطة تعبرعن ذلك الاختلاف بين ماضي هادئ تغازله الأحلام وحاضر متوتر يصارع الإحباط  لذلك لم يكن مجرد حفل ،ولم يكن مجرد “مغني” كما يحب أن يصف نفسه، بل هي رواية طويلة اختلطت فيها البسمة بالألم والفرحة بالشجن ، رواية لها عشاق لحد الجنون وفي المقابل لم يخل ذكرها من نقد حاد بقدرالأمال المتعلقة عليها وكذلك بقدرعمقها وعمرها الطويل ، فقد تخطت ال40 عامًا سقطت خلالها دول وتفككت تكتلات واتحدت بلاد وتغيرت خرائط وزالت حدود و هو هنا مازال يشدو حتى لو لم يعد مسرحه منصوبًا .

  أعادني إلى هذه المشاهد خبر تأجيل حفل رأس السنة ل” الكينج”  محمد منير  لظروف صحية-شفاه الله وأعانه على تجاوزها-و في نفس الوقت دفعني الخبر إلى تلك المقارنة خاصة مع علمي بالمكان الذي قرر له الحفل  والبعيد تمامًا عن الساحة التي عرفت باسم  “منير”  في دار الأوبرا، والتي هجرها منذ زمن بعيد بعدما لم يعد الغناء ممكنًا في كل مكان، ربما عوض هو  جزء من حنينه إلى تلك الساحة بغناءه بالقرب منها منذ شهور قليلة مع تكريمه في مهرجان الموسيقى العربية في دورته الثامنة والعشرين وهو تكريم له دلالات هامة  واعتراف متأخر بعدم  حصرالأغنية العربية  في ال”ربع تون” ، اعتراف انتزعه منير بمجهود شاق ورحلة صعبة ارتحالها ابن النوبة الذي سعى دائمًا لجمع كل المحليات في صوته فكان مثل عصفور لا يحتويه قفص ولا تحده أسوار، فهو لم يقف عند حدود “أرض الذهب ” ونهل من كل الفنون في محيطه المصري والعربي فغنا من الصعيد وبحري وعلى أنغام السمسمية وانطلق خارج الحدود ليعرفنا بال”راي” الجزائري قبل انتشاره الكبير وينقل لنا دفء الموسيقى السودانية وعبق الغناء التونسي كما شدا من التراث الحلبي والفلسطيني وأخيرًا أكمل الدائرة باللون الخليجي ليستوجب التتويج بطلًا للأغنية العربية ويصبح الأحق بلقب “ملك العرب ” .

 

ربما كانت الألقاب توزع جزافًا ولكن الأمر مختلف مع منير  فروايته  لم تأخذ حقها بعد من التأمل والاهتمام رغم نجاحه الطاغي المستمر في التفرد والتميز وجذبه لأجيال متتالية في ظروف صعبة تعوق أحيانًا الإبداع وكان الأمر مضافعًا منذ البداية بالنسبة لذلك الشاب الأسمرالقادم من أقصى الجنوب إلى مدينة لا تعترف بالاختلاف والذى عانى التعنت كثيرًا في البدايات لدرجة رفض لجنة الإذاعة تسع  أغنيات من ألبومه الشهير “بنتولد” بدون سبب سوى جمود أعضاء اللجنة الذين يصعب تذكر أسمائهم آلان ، أغنيات من كلمات شعراء بوزن عبد الرحيم منصور و مجدي نجيب وسيد حجاب حاول الأوصياء منعها ولكنها وصلت للناس فتغنوا بها لسنوات طويلة .

وبعد لم تقف الحواجز عند هذا الحد واستمرت المضايقات التى شعر معها منير أنه وحيدًا ضد التيار لم يخفف وحدته إلا جمهوره المؤمن به  والأمثلة على تلك المضايقات كثيرة اتذكر منها عندما اختارته اللجنة المنظمة لدورةالبحرالمتوسط للغناء في ختام الدورة الثانية عشرة بمدينة “مونبلييه” الفرنسيةعام 93 ، يومها تألق منير بغناء “وسط الدايرة” الأغنية السودانية التي أعاد غنائها في ألبوم يحمل اسم نفس الأغنية , ورغم تفاعل الجمهور الواضح وأداء منير الرائع إلا أنه تحول للتحقيق عند عودته من الخارج بحجة غناءه أغنية غير مصرية في محفل دولي يمثل به مصر فكان رد منير الحاسم  الفن لا يعرف الحدود ..هل تمت مسائلة عبد الحليم حافظ عندما ارتدى الشماغ الخليجي وغنا ياهلي يكفي ملامي والعتاب ؟..لم تجد اللجنة ردًا مناسبًا فحفظت التحقيق.

أما الموقف الأغرب في مسيرة “منير” كان استدعاءه للغناء تحت سفح الهرم في مثل هذه الليلة منذ 20 عامًا بالكمال والتمام في احتفالية الألفية وهوحدث فريد جعل منير متحمسًا بشدة رغم ضيق الوقت حيث تم تكليفه قبل الحفل ب3 أيام فقط بعدما اكتشف فاروق حسني وزير الثقافة حينذاك فشل المخرج الفرنسي جان ميشيل جار  الذي كلف خزينة الدولة ملايين الجنيهات  لتقديم عرض مبهم غير مفهوم فلجأ “فاروق”  إلى منير لحفظ ماء الوجه وتقديم فن مصري يناسب الحدث والجماهير التي أكد وزير الثقافة السابق أن اختيارمنير جاء بناءًا على طلبهم ، ورغم قبول منيرللمهمة ووصفها بالتكليف الشعبي الذي لا يستطيع رفضه  إلا أنه لم يجد إلا النكران ، فبعد صعوده للمسرح قرب الفجر في فوضى تنظيمية عارمة وإصراره على الغناء والتألق في أجواء صعبة اكتشف أن التلفزيون المصري انسحب ولم يسجل تلك اللحظات التاريخية التي يتمناها أي فنان ،فما بالنا بمن جاءلإنقاذ الموقف ووقف وحيدًا للدفاع عن سمعة الفن المصري ،لذلك كانت الصدمة قوية وربما كان هذا الموقف سبب في إعادة صياغة منير لكل تعاملاته فيما بعد .

كل ما سبق تعتبر صراعات ثانوية أمام المعركة الأهم التي خاضها منير خلال مسيرته  الفنية ..معركة الوعي ،في البداية كانت مشكلته الكبيرة في تحليقه الدائم وتمرده على القوالب النمطية وإقدامه على تغيير حتى التيمة التي نجح بها فنجده يغني من كلمات شاعر متفرد ومختلف مثل عصام عبد الله مفردات جديدة وجريئة مثل ” انتِ مالية الشوق ملوة ..نفسي لو يلمس طراطيفي ” أوفي أغنية أخرى بألبوم آخر “أنا ممكن أجريلك دمي أنا حاسس دمي هيتصفى ” ثم جاءت أصعب مرحلة  مع انتصاف التسعينات وبداية رسوخ  سمت العهد المباركي ، سنوات الركود التي تسطح فيها كل شئ ،ولم يعد للطامحين سوى هامش يجمعهم أما الواجهة فقد تم حجزها لمن يشبهون الحقبة فتعالى نجم أنصاف المواهب وانتشرت أغنيات “المصايف” وبدأ جيل منير في التواري بالتدريج  الحجار والحلو وكذلك إيمان البحر درويش ومدحت صالح إلا هو.. كان له رأي آخر ومخطط واعي لعامل الزمن وتتابع الأجيال ،فبعد تجربته شديدة العذوبة  “افتح قلبك ” التي لم تلق النجاح الجماهيري المستحق “وقتها”  وسط البومات يتأرجح تقييمها بين ضعيف ومتوسط المستوى قرر منير تغيير المسار واقتحام “السوق” بوسيلة الصدمة فغنا “نظرة واحدة ” لنسمع منير الذي تغنى بالليلة يا سمرا وحدوتة مصرية واتكلمي والجيرة والعشرة  يقول “مش كل كل  ولا أي أي ” ورغم أنها أغنية من مسلسل ولها سياق درامي لكنها أحدثت الأثر الذي اعتقد أن منير تعمد الوصول إليه والذي لم تحدثه أغنيات رائعة مثل “قلب الوطن مجروح ” و”ساح يا بداح “و” لو بطلنا نحلم ”  وكان نجاح ألبوم “ممكن ” علامة على عودة المارد الذي قررخوض المنافسة بشكل جديد فمن يتفحص أغنيات الألبوم يجدها لا تشبه تلك الأغنية الصادمة ،شتا..حواديت..الليلة ديه..برج حمام..يا بنت ياللي وأغنية الهيد “ممكن ” كلها أغنيات بالغة الرقة والرقي وأغلبها يحمل بعد فلسفي عميق حتى الأغنية الصدمة لم تكن مسفة أو مبتذلة ، فقط كانت مستغربة!.
ومن هنا بدأ منير فصل جديد من روايته مع جيل جديد بدأ في البحث عن ماضي أكبر من عمره ،ولم يقف منير عند هذا الحد ولكنه زاد ساحة الغناء بتعاون مثمر مع كوثر مصطفى “هدية منير لجمهوره خلال حقبة التسعينات ” فكانت أغنية “علّي صوتك” التي امتد نجاحها من الخليج للمحيط ، ومع هذا التصاعد قرر “الكينج ”  استقطاب الأجيال القادمة  فدخل كل بيت وأصبح ضيف دائم على مائدة الإفطار في رمضان بغناءه تترات مسلسل الكارتون المصري الشهير “بكار”والذي تربى عليه جيل بأكمله ، ثم كانت الخطوة الأهم في خطة العودة إلى القمة باستخدام الفولكلور بذكاء مع الاستعانة بمنتج “ابن سوق” مثل نصر محروس فكان ألبوم “في عشق البنات” الذي صاحبه نجاح مبهر ثم بدأت مرحلة جديدة مختلفة من تجربة منير واجتهاد بطريقة أخرى وباستخدام مفردات وموسيقى  مغايرة ربما هي أقل وهجًا من البدايات ولكنه من وقت لآخر كان يؤكد لنا أنه مازال قادرًا على التفرد والاختلاف كما ظهر ذلك جليًا في تجربة “الأرض السلام ” وعلى كل حال كانت تلك مرحلة الحصاد التى تبلور خلالها جهدالسنين كما عكسته حفلات منير التى أصبحت من معالم المدينة.
هذه مجرد مقطتفات من رحلة طويلة أحدث مشاهدها غناء “الكينج ” من الوضع جالسًا على عكس عادته في لقطة تزيده وقارًا وقيمة وتجعلنا ننتشي أكثر لامتلاكنا رمز يستطيع العطاء طوال كل هذه السنوات وتحت أي ظرف ، رحلة الغوص في تفاصيلها يحتاج لمساحة أكبربكثيرمن سطورمقال كهذا ، ولكن تبقى نقطة مهمة أثارتها تقلبات  السنوات الأخيرة التي تعرض خلالها منير لنقد لاذع أحيانًا ربما من أقرب محبيه والسؤال هل يستحق ذلك؟
في رأيي الشخصي هناك أخطاء بالتأكيد ،فهذه طبيعة البشر ولكن الأمر لا يخلو من التحامل والكثير من القسوة العاطفية ،ولكني بشكل شخصي لا أشك في صدق “منير” ولدي الكثير من الشواهد على ذلك وفي هذا الشأن لنا حديث آخر عن تلك الانتقادات الموجهة إليه أما آلان فأنا استعيد على صوته الذكريات متمنيًا له السلامة في ليلته ..ليلة ملك العرب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.