خاتم.. خطاب..خيط.. انقطع

مي حمادة

مي حمادة

خاتم زواجنا الذي لازلت أرتديه حتي اليوم، وقد مر عامٌ بأكمله علي أخر يوم التقينا فيه علي الشاطئ، لم أقوي علي انتزاعه من يدي، لا أرغب في الإستيقاظ ذات صباح ورؤية يدي بدونه، سيشكل ذلك صدمة إضافية لعقلي بجانب كسرة مميتة لقلبي، أخلعه فقط حين أذهب لزيارة خالتي، أنت خبير بها أكثر مني، لا تكف عن الإلحاح علي بالزواج من ابنها، كما لو كانت تنتظر طلاقنا حتي تزفني إلي ذلك الأخرق، لا يتوقف عن الضحك في أي موقف، أتذكر حين كنت تقول عنه أنه فاقد لحاسة استشعار المواقف، والتي فسرتها لي بأن عقله توقف منذ أن بلغ الصف الخامس الإبتدائي، بالأمس كنت في منزلهم أزور خالتي، وبينما كانت خادمتهم تقدم لنا الشاي، تعثرت في السجادة التي ثناها هو عمداً حتي وقعت، وظل هو يضحك كبقرة بلهاء فقدت راعيها، كان لديك كل الحق في كرهك له، أنا أحبك جداً.

خطاب أكتبه لك اليوم، ولا أدري متي سأرسله إليك وكيف، هل اليوم، غداً، العام القادم، أم أنني قد لا أرسله أبداً، ربما هو مزاجي المتعكر اليوم، استيقظت متأخرة عن موعدي اليومي، لأجد زجاجة اللبن مكسورة علي عتبة الباب، وأجد قط مدام سوزيت يلعق كل قطرة منه دون توقف، حتي أنني لم أجد أثر للبن وكأنه لم يكن، أكره هذا القط للغاية، لولا أن السيدة سوزيت ضريرة، لكنت قتلتها هي وقطها السمين الذي أصبح أكبر من مكب النفايات، لا يجعل أي شئ يمر من أمامه دون أن يلتهمه، أكره القطط، وأكرهك بشدة، لماذا لم ترسل إلي خطاباً واحداً، لماذا لم تهاتفني، أنا مرتبكة بشدة، لا أدري ماذا أفعل وأنا أشتاق إليك، ربما سأكتب خطابي لأنفس عن غضبي ثم أحرقه، أنا غاضبة بشدة.


خيط انقطع ولم تعد تصلني أخبارك منذ فترة، حتي أصدقائنا لا يعلمون أي شئ عنك الأن. كنت أعلم أنني سأفتقدك وكنت أظن أنه طالما يمكنني التواصل معك في أي لحظة، سأكون قادرة علي تحمل الحياة بدونك، حتي اصطدمت بواقع أنك خارج البلاد حتي إشعار أخر، وأنني لا أستطيع التواصل معك، لا أستطيع أن أتحدث معك عن تفاصيل يومي، لا أستطيع أن أرتمي بحضنك بعد عناء يوم طويل، علمت أن الحياة شاقة جداً إذا لم يجد الإنسان من يحتويه، وتصبح الحياة أكثر شقائاً إذا علمت أن لا أمل في عودة كل شئ لسابق حاله، أصبحت الآن أخاف التغيير لأنه أخذك مني، لا أستطيع الحياة بدونك، أنا أكرهك جداً.
أفتقد وجهك، رائحتك، نظرة عينك، أنظف البيت كل اسبوع بنفسي حتي لا أسمح لأحد بالعبث في ترتيبه، ثم أنثر عطرك المفضل في كل أركانه، وأجلس بعد اليوم الطويل علي أريكتنا المفضلة، وأمسك قميصك الذي تركته لي في يدي، وأغمض عيناي حتي أراك جالساً أمامي ترتديه، تحتضن وجهي فأشم المزيد من رائحتك التي اختلطت بعطرك، أذوب بعدها من فرط ما شعرت به من الوحشة والإغتراب.

لدي الكثير لأخبرك به، ظننت أنه كان بوسعي المضي في الحياة بعد فراقنا، لكنني اكتشفت كل يوم احتياجي إليك، لا احتياج للمال ولا للسيارة أو البيت بعد كل ما تركته لي، بل احتياج لأذن تنصت، وعين تسمع قبل أن تري، حدقة تتسع وتلمع أكثر عند كل كلمة، إنصات تام لكل تفاهاتي وكل جدية تصدر مني، ورد فعل يقف بجانبي حتي لو كنت علي غير صواب، .
أصبحت الآن أقل غروراً، أتلفت بحثاً عنك في الناس، في الشوارع، في المقاهي وفي كل ما تقع عليه عيناي، أقود سيارتنا بنفسي الأن وبدون سائق كما علمتني، أخرج في منتصف الليل وأنا أجوب الطرقات بحثاً عنك عسي أن نلتقي ولو صدفة، لا أجدك، وكأن لم يكن لك وجود سوي في مخيلتي، اُخرج صورتك من حقيبتي حتي أثبت لنفسي أن عقلي لم يذهب، أبكي قليلاً، ثم أفرد ذراعي خارج شباك السيارة وأحاول الإمساك بالهواء، أزيد من سرعة السيارة حتي أصل للسرعة القصوي، فيحتبس الهواء بيدي حتي أطلق سراحه، ثم أضحك وأنا أتذكر كيف علمتني الطيران بتلك الطريقة، لماذا اختفيت؟
أبكي كثيراً الآن، أمل البكاء بمفردي فأذهب إلي بيت سعاد، في البداية كانت تنصت لي، تحضنني، تربت كتفي، حتي أصبحت تدريجيا تطهي الطعام وأنا أبكي، تنظف البيت وأنا أبكي، تحدث زوجها في التليفون وأنا أبكي، لماذا توقفت عن مهاتفتي؟ جلست معي سعاد في أخر مرة تنصحني بالزواج من صديق زوجها، تحثني علي نسيانك،مدعية أن البشر فترات في حياة بعضهم، أنا أرفض تلك الفكرة، لم تكن أنت فترة، بل إنك كل عمري، هل تؤمن بذلك أيضاً؟ لا تتركني.
مرضت منذ شهرين، ولم أجد أحد بجواري، كان يكفيني أن تكون أنت معي لأشفي تماماً، اكتشفت أنني مرضت مئات المرات وقت زواجنا دون أن ألاحظ، كنت أباشر حياتي في وجودك وأنا لا أشعر أنني مريضة، ربما هو الكتف الذي أحني رأسي عليه لدقائق حتي يزول الألم دون أن أشعر، أنا الآن أفضل، لا أعرف كيف أقولها وأنت بعيد عني، لكن جسدي علي الأقل أفضل الآن بعد أن كنت لا أبرح الفراش لشهرين كاملين، شعرت فيهم أن عمري تقدم عشرات السنين، التجاعيد ملأت وجهي، لم أسرح شعري، لم أخرج من باب المنزل حتي، هل توقفت حياتك مثلي؟
أستيقظ الآن علي أمل أن ألقاك بجواري، أندم في اليوم ألف مرة أنني تركتك ترحل، كان قرار الرحيل صائباً لكنه نفذ كالسهم مصوباً نحو قلبي، إذا لم نلتقي للأبد، أرجو ألا تنساني، ليس من العدل أنني لا أنساك وتنساني أنت، أن تنعدم حياتي وتصبح بكل تلك المرارة وأن تنعم أنت، أخشي أن تجد لي بديل ولا بديل لي سواك، ظننت أنني سأكرهك حتي أتعافي، ولكن ما زادن البعد إلا حبا، وما كان زادي في البعد سواه.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.