المجنونة والوحدة

مي حمادة

مي حمادة

صورة انطبعت داخل ذهني عن تلك السيدة العجوز التي ناهزت السبعين من عمرها، بطولها الفارع بينما لم يتجاوز طولي متراً واحداً حين كنت في الخامسة من عمري، عجوز شمطاء كما تبدو، اتكأ الزمان علي ظهرها ليحنيه بلا رحمة، ويبدو أنها كانت أجمل في ريعان شبابها، لحمها الأبيض يتدلي في تراخ من ذراعيها، وبطنها الكبير يغطيه جلبابها المنزلي الملوث ببقع الطعام،ليشي باتساخه المزمن، كل ذلك ألاحظه في جزء من الثانية، عندما تظل أمي تدق جرس بابها وتقرعه باليد الأخري، رافضةً المغادرة حتي تفتح السيدة، لتفعلها العجوز بعد عدة دقائق، بعد أن تأتي من أخر شقتها في بطئ يشبه سلحفاة دائمة السبات.

وكلمة انطبعت في ذهني تنم عن صوت أخنف ملأه الخنين، وهي تستفسر خلف باب شقتها بنوافذه الزجاجية المجعدة عن ماهية الطارق، قائلة “مين” بينما ترد أمي عدة مرات معلنةً إسمها بتكرار، تقابله العجوز من الجهة الأخري بالمزيد من ذات السؤال، حتي تمل أمي وتتوقف عن الرد. أو ربما صوت صراخها وهي تنظر إلي من الأعلي مرددة “برا، اطلعي برا” بينما أحملق لوجهها وكأنني أنظر لسقف الغرفة، حين كانت تباغتني بينما أعبث بأشيائها… هكذا كانت “ابلة نوال” كما كانت تدعوها أمي من باب الأدب لأنها تكبرها بأكثر من ثلاثين عام، بينما كنت أُلقبها في الخامسة من عمري “ابلة نوال… المجنونة”.

سيدة عجوز تعيش بمفردها وما أقسي الوحدة، بل ما أقساها إذا كانت بغير إرادة الإنسان، كنت أدخل لبيت السيدة رغماً عن أنفي مع والدتي التي كنت ألازمها في صغري دائماً، تظل تقرع الباب وأنا أسحب يديها رغبة مني في الفرار قبل أن تفتح العجوز بابها، تربت أمي كتفي بيدها وترفض الذهاب قبل أن تطمئن علي السيدة، محضرةً الطعام الذي تيتهيه العجوز إذا ما سنحت الفرصة.

أُشاهد ملابس السيدة التي تبدو غير نظيفة حتي للأعمي، وأتساءل إذا ما كانت أمها تنهرها عن ارتداء ملابسها بهذا الشكل، نتوغل في الشقة أكثر وأكثر بينما تتقدمنا العجوز سائرة كطفل تعلم المشي لتوه، أتململ وأحاول فك يدي من قبضة أمي حتي أسبق العجوز البطيئة، حتي قاطعني صوتأرضيات الخشب الباركيه العتيق، وهي تصدر أصواتاً مزعجة تشبه صوت خروج الريح من البطن، أضحك بصوت عال لأن أمي قد علمتني للتو أن خروج مثل هذه الأصوات في العلن شئ غير محبذ، تترك أرجلنا أثار علي الأرض، أنظر إليها في تعجب وانبهار، لماذا لا يُحدث حذائي تلك البصمات في منزلنا، لم أكن أدري وقتها أن منزلنا بذلك كان نظيفاً للغاية!

أنظر في تعجب بينما أمر علي كل ما هو قديم، تماثيل قديمة لأحصنة وأفيال أصبح لونها رمادي من شدة الإتساخ، تصل بينهم خيوط عنكبوتية كثيفة، أرفع عيناي لأري علي الحوائط مجموعة صور قديمة للسيدة في صغرها، وصور رجال يرتدون الطرابيش الحمراء، تتوسط ووجوههم شوارب عريضة، أدعوهم بإخوة اسماعيل ياسين، ربما لأنه أقدم رجل عرفته وقتها.

نتقدم أكثر وأكثر لنري ثلاجتها القديمة، التي تفتحها بمفتاح تعلقه في صدرها كأنها خزينة بنك، تطلب من أمي وضع الأكل بها بعد أن تفتحها، فتسد أمي أنفها علي الفور، لتخرج من الثلاجة رائحة تشبه الجيفة، دون أن تصدر تعليقاً واحداً عما تراه داخل الثلاجة، ندخل جميعاً إلي غرفة السيدة، ويقطع انتباهنا تليفزيون كبير محاط بإطار خشبي، صوته مرتفع للغاية يكاد يخرق طبلة أذني، بينما صورته الباهتة باللون الأبيض والأسود تثير غضبي، غرفة ملونة باللون الأخضر العتيق الذي يبدو أنه أعلن انسحابه التدريجي تاركاً  الحوائط بلون غير مفهوم، نجلس أمامه علي سرير السيدة المغطي ببقايا طعام تشبه رائحة التخمر، بينما تغطي البقع كل شئ تقع عليه عيناك.

تذهب السيدة للمطبخ، وتلك هي لحظتي المفضلة، أنتهز الفرصة لتجربة أشيائها الموضوعة علي “التسريحة”، عشرات من زجاجات العطر التي تكسوها الأتربة لتلغي كثيراً من مظهرها القديم، يتخللهم زجاجات قصيرة القامة تحوي طلاء أظافر بألوان كثيرة، علبة بها مجوهرات بلاستيكية واكسسوارات غير ثمينة، لكنها الغاية المكتملة لطفلة في مثل عمري، أرتدي المجوهرات من سلاسل طويلة في رقبتي، أزين رأسي بقبعة ذات ريش أصفر، وأسحب حذاء ذو كعب عال من الأسفل لأنتعله، أبدو كنجمات التلفزيون، ثمأفتح زجاجات طلاء الأظافر وأمر بفرشاتها علي أظافري الصغيرة، وأتركها مفتوحة، أسهب في تجربتي لكل شئ حتي أنني لم أعد أنصت لخطوات العجوز، التي أوليها أذناي بعناية، حتي لا تباغتني بالحضور فتعاقبني علي تبديد كنوزها الغير ثمينة، تدخل فجأة وتتعالي صرخاتها أمرةً أمي بحملي إلي خارج منزلها، فتفعل علي الفور، لا أكف عن غيظها ولا أكاد أبالي لغضبها متوانية في خلع مقتنياتها، نخرج من الباب وتعود السيدة وحيدة مرة أخري، مفضلةً تلك الوحدة علي أن تزعجها صغيرة لا يتعدي طولها خمسةأقدام، أخرج مسرورة لأنني أكره تلك الزيارة، لكنني استطعت استغلال هذا الوقت الذي اقتطعته أمي من عمري الثمين.

تزورنا حتي الأن سيدة أخري من صديقات أمي، كانت تسكن بفيلا مجاورة لبناية أبلة نوال، اعتادت أن تدر عطاءها للعجوز وتشملها برعايتها حتي موتها، علمت منها مؤخراً أن السيدة الأرستقراطية كانت متزوجة من ابن خالها الطبيب، وكانت تعيش معه في شقتها تلك، استيقظت ذات ليلة وذهبت إلي المطبخ، لتصعق برؤية زوجها في أحضان خادمتها، ثارت السيدة وقامت بتكسير كل ما جاء بين يديها، وطردت زوجها وعشيقته فجراً، وفي الصباح استدعت أخيها القاطن في الأسكندرية، لتقص عليه الحادث الأليم الذي أودي بزواجها بين ليلة وضحاها، ذهب أخيها لزوجها لينهي إجراءات الطلاق في أقرب وقت بناء علي طلب السيدة، ووجد زوجها لا يبالي ولم يبد أي اعتراض، بل أنه قد مهد لحياة جديدة مع خادمته وطلب يدها للزواج رسمياً.

فضلها الرجل علي زوجة ذات حسب ونسب، تنحدر من أصول عريقة، بدا غير مكترث بما فعله، ليثير التساؤلات في نفس شقيق زوجته، فجلس الزوج يشكو همومه من السيدة التي لم تهتم به ليوم واحد، كانت تعايره بأصوله الريفية، وطباعه شديدة الإختلاف عنها في المأكل والملبس، تفضل هي الجلوس علي السفرة أثناء الغداء، بينما يفضل هو افتراش الأرض لإقامة سفرة أشهي، تأكل هي بالشوكة والسكين، يأكل هو بيده، تمتلك وسواساً قهرياً يدفعها للصراخ الدائم في خادمتها للتنظيف، بينما راتبه الشهري لا يحتمل الإنفاق علي خادمة بدوام كامل، فتستبد السيدة في مطالبتها له بالمال، لتنفقه يميناً ويساراً، سبع سنوات مرت بينهما يملؤهم الجفاف، ترعي الخادمة شئونه أكثر من زوجته، زوجته التي لم تنجب له طفلاً، فلما لا!

قتل الإختلاف زواجهما، وأجهز هو عليها بمشهد لم يفارق خيالها، ترك لها ذكري لا تسر في كافة أرجاء منزلها، فظلت حبيسة بداخله، لا تستطيع الإنتقال خارجه لعدم توافر المال، ولم تستطع أن تحبه بعدما شهدت جدرانه الخيانة والنكران. توقفت ساعة منزلها عند ذلك الوقت الذي كشفت فيه سر زوجها، بينما لم يرحمها العمر وصبغ شعرها الأسود بلون الشيبة.

لم يجد أخيها سبباً لاستمرار تلك الزيجة، بل تعاطف مع زوجها كرجل مُلِمٌّ باحتياجات الرجال، وتم الطلاق بالفعل، ليتبدل حال السيدة لما ألت إليه حتي وفاتها، وحيدة في منزل كبير للغاية، دائمة الصراخ، تفضل الوحدة علي وجود أطفال مزعجة، يذكرونها ببوار أرض رحمها. يخلو بيتها من كل شئ إلا الأتربة، تكره الخادمات وترفض دخولهن لمنزلها تحت أي ظرف، بينما سافر زوجها لإحدي قري صعيد مصر، تزوج من خادمته وأنجب منها سبع أولاد منالبنين والبنات، ربما وجد الرجل سعادته في شئ غير اعتيادي، وربما كان من الأفضل للسيدة أن تظل وحيدة.

اترك رد