طائر وحيد

زكي سالم

من أروع المشاهد البحرية ، عندما تقترب السفينة من الميناء ، فتستقبلها الطيور المغردة بفرحة ، وتحلق فوقها بسعادة ، وكأنما كانت تنتظر وصول الباخرة منذ زمن طويل ! وتظل الطيور ترافقنا حتى نصل إلى الشاطئ . المنظر يدعونا للتأمل ، إذ يثير فينا الحنين ، ويحفز خيالنا الخلاق .
أما المشهد الأعجب حقا ، فكان يوم خروج السفينة العملاقة من الميناء متجـه صوب المحيط الأعظم ، ترافقها الطيور المغـردة ، وكأنما تودع المسافرين عبر الاطلسى إلى الجهة الأخرى من العالم .
كنا وقت الغروب ، والطيور تتبعنا لبعض الوقت ، ثم تعود فرادى وجماعات ، نحو الشاطئ الذى نبعد عنه كل حين ، فالليل يتقدم بسرعة ، وضوء النهار يتلاشى ، ولا قمر فى الأفق ، والمحيط تحول لونه الأزرق الزاهى إلى أسود مخيف ، وإذا بطائر وحيد مازال يضرب بجناحيه فى الهواء ، يرافقنا من بعيد ، وإذ أنظر فى كل اتجاه ، فلا أجد أى شىء حتى نهاية الأفق ! فقد اختفى الشاطئ تماما ، وتلاشت أضواءه فى ظلام المحيط ، بينما هذا الطائر العجيب يواصل الطيران !
فإلى متى سيحتمل هذا الهواء البارد ، وهذا الظلام المخيف ، فى هذه المياه الممتدة بلا نهاية ؟! يا ليته يأتى إلى السفينة ليستريح من عناء هذا المجهود المتواصل ، فلا شاطئ قريب ، ولا مكان للراحة وسط هذه الأمواج العاتية !
ظللت أتابع حركة الطائر ، إذ يختفى عن عينى أحيانا ، وأراه حين تنعكس عليه أضواء الباخرة المتأرجحة بفعل قوة الموج وحركة الريح .
أنظر إليه ، وأبحث عنه ، وكلما اختفى سألت نفسى : إلى أين ذهب ؟ وكلما رأيته تسألت : إلى متى سيظل يضرب بجناحيه فى ظلام المحيط ؟!
د. زكــى ســالم

اترك رد