أبو ثور

رائد سلامة

رائد سلامة

كان يجلس في تكاسلٍ علي شاطئ التُرعة يُلقي فيها بحَصَىً صغير إنتقاهُ بعناية، يُحدق في كل دوامة تُولَد علي صفحة الماء، يتابعها بإهتمام كأنه يتوقع أن يرى شيئًا مُغايرًا في كل مرة، صارت جلسته علي الترعة هي نشاطه اليومي الوحيد، هَجَر حتي المقهى الفقير الذي كان يلوذ به يوميًا بعد صلاة العشاء لشُرب الشاي و تدخين الجوزة و لعب الدومينو. صارت الترعة هي حياته، الترعة فقط و لا شيئ آخر، كان يحرص عليها فيَنهَى الأطفال عن التبول بها و يزجر النساء عن غَسلِ بهائمهن بماءها.

لم يكن فلاحًا أو موظَفًا شأن أقرانه، كان فقط يمتلك “عبد الجبار”، كان يُقايض أهل القرية علي فُحولته فيؤجِرَهُ لأداء المهمة بقلب مستريح، لم تكن المُقايضة دائمًا لقاء المال فكان كيلًا من القمح أو الذرة يكفيه وفق تقييمه لحَال صاحب الأنثي، كان يعرف أحوالهم جميعًا.

“إختلف الفقهاء في حُكم عَسْب الفحل أي ماءه فمنع الأكثرون تأجير الفحل من أجل الضِرَاب وأجازه بعضهم، واتفقوا على عدم جواز بيع عَسَب الفحل، لأنه بيع المعدوم عند التعاقد لِمَا رُوي من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع المعدوم ورخص في السلم، ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه إذ قال أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَىَ عن كَسْبِ الْحَجامِ، وَعَنْ ثَمنِ الكلبِ، وَعن عَسْبِ الْفحلِ، و علي هذا فإن أغلب الفقهاء قد قالوا بعدم جواز إجارة الفحل للضِراب. خُذ بالأحوط و الأصدق يا أخي تُؤجَر في الدنيا و في الآخرة”، هكذا حَدَثَه صاحب اللحية الضخمة و علامة الصلاة العملاقة علي الجبين الذي حَلَّ ضيفًا ذات ليلة علي شيخ البلد صاحب أكبر قطيع أبقارٍ بالناحية، أصغى بإهتمام، لم يفهم مما قال ذو اللحية شيئَا سِوى الأخذ بالأحوط و أجر الدنيا و الآخرة، لم يُناقِشْ، إلتزم، باع “عبد الجبار” لشيخ البلد، أودع المال بحساب في مكتب بريد المُديرية ثم جَلَس علي الترعة يُلقي بها حَصَاه.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.