نجومية المترجم الفذ

دينا توفيق

دينا توفيق

كان سببا فى تعرفى عليه لأول مرة منذ أكثر من 35 عاما.. ومع ترجمته خطوت نحو عالم جبريال جارثيا ماركيز ..
فى بداية الثمانينيات حين كنت يافعة فى أعوامي الأولى بالجامعة أهدتني زميلتى كتابا.. عربون صداقة مستمرة حتى يومنا هذا.. الكتاب كان رواية “مائة عام من العزلة” .. فى تلك الآونة عشت أياما فى حالة انبهار تام وكأننى ممسوسة.. كنت أصبح وأمسى والكتاب بين يدى وأنام وهو على صدرى .. معه اكتشفت تلك الاوقات السحرية المفعمة بالدهشة والاجواء الغرائبية المتقنة الفانتازيا .. والملهم المثير الملازم لفكرى حتى لحظتى تلك اننى ورغم حداثة سنى استوعبت الفارق الهائل بين تراكيبه ومفرداته الاصيلة المتوازية مع التراكيب فى لغة الرواية الاصلية وتراكيب سواه من مترجمين اقل حنكة.. وبناء عليه وقعت فى حبائل تلك اللغة العربية المترجمة حتى اننى صرت اعرف قيمة اللغة الاسبانية نفسها وصرت اغبط اى شخص يقرأها.. ولى صديق يعلم ذلك تماما حيث نتضاحك دوما حول حلمى ذلك الذى اعتبرته بعيد المنال فى تعلم الاسبانية.. اننى مقتنعة بعدم وجود مستحيلات !!..
كان صالح علمانى هو الانيس والصديق الذى استغنيت به عن اى مترجم اخر وتحديدا عندما اقدمت يوما بجرأة، لا احسد نفسى عليها، على شراء طبعة حديثة لذات روايتى المحببة، لكن هيهات لمن استطاع النفاذ بسلاسة وتلك الحالة المزعجة الخالية من المتعة التى وضعتنى فيها الترجمة الميتة التى جعلتنى فى استغراب من احوال الناس حين يفعلون ما لا يمكن فعله، وكيف تجرأ المترجم الذى عددته مجرما وشريكته تلك الدار الفاشلة للنشر، ليترجموا العمل بغلاف جديد يظنون انه يمكن أن يوضع على نفس الرف فى المكتبات التى احتفت بترجمات صالح علمانى على مدى عقود مضت .. كيف لهم أن يفعلوا؟ .. ولم أصل لإجابة حتى يومنا هذا ! ..
المهم أن الرجل صار بوابتى نحو الأدب الإسباني ومبدعيه، إن لم أقرأه مترجما للانجليزية فلا يمكن أن أقرأه  بالعربية بترجمة سواه الا المترجم المصرى النابه احمدعبد اللطيف، وفى تلك الاونة لم اكن راغبة فى ان اعرف عن صالح علمانى سوى انه العين اللامعة المدققة التى رأيت عبرها تلك البقعة اللاتينية من العالم بخيال ممتع ..
ورغم اننى عادة وبحكم عملى الصحفى اقابل ادباء وفنانين وسياسيين الا اننى لم اشغل نفسى بأى محاولات للتعرف عليه بشكل مباشر رغم علمى بأنه كان يحضر جملة من المعارض العربية وان بقدورى لقياه بجهد يسير .. وكان سببى الرئيسى اننى تيقنت اننى اعرفه بشكل اكثر اهمية والهاما، من وجهة نظرى فى حينها، حيث ارتبط الرجل فى ذهنى بحالة الوجد التى اكون عليها حين اقرأ ماركيز، ولم يكن ذلك تقليلا من شأنه مطلقا بل غراما وحبا شديدين لعمله الدءوب الذى اظنه خلودا على نحو خصوصى يبث فى الترجمة العربية قوة ما وكأنه دماء زكية خارقة بعثت فى المكتبة العربية نهضة انسانية كان يليق به ان يكون رائدا لها عن جدارة واستحقاق، وان كنت اعترف اننى حين تلقيت نباء وفاته ندمت اننى لم اسمح لنفسى ان يتاح لى مقابلته شخصيا وان القدر ذاته لم يمهلنى لألقاه.. ولقد وافقت صديقتى الناشرة الكبيرة حين اخبرتنى بأسى ان الحظ لم يمهلها ليعمل معها رغم معرفتها به منذ زمن بعيد، وصديقتى قد بدأت لتوها مشروعها العبقرى لتحويل نشاطها بثقل ورزانة لترجمة أهم الاعمال الادبية بكافة اللغات وتقديمها لقراء العربية.
الامر الثابت والجلى ان صالح علمانى كان وسيظل نجما فذا فى سماء الترجمة وهى مكانة لو تعلمون نادرا ان يتحصل عليها من يعملون فى تلك المساحة الضيقة على اتساعها، لما تحتاجه من موهبة وابداع وحرفية شديدة الخصوصية، كفرع من الفروع المهمة فى المجال الثقافى.. ان كنت اتشكك فى ان يكون احدهم قد وقف على نفس المستوى والقامة مع الكاتب مبدع العمل الاصلى كمثل علمانى لما امتلكه من حذق واجادة فى تقمص روح الروائى ذاته ..
ولذلك كان علما بارزا فى العالم العربى بما قدمه من اضاءات لن تخفت بل اراهن انها ستصير اكثر تأججا.. لانها ستبقى منيرة فى عقول اصحابها وبخاصة من كانوا تلاميذا له ويبشرون بترجمات تفتح افاقا جديدة للحضارة من بوابات الثقافة بالترجمة ..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.