أحمد فؤاد نجم.. وحشتنا يا أخي

خيري حسن

خيري  حسن
– يا فلسطينية
– والغربة طالت كفاية
– والصحرا أنّت
– من اللاجئين والضحايا
– والأرض حنّت
– للفلاحين والسقايه
– والثورة غاية
– والنصر أول خُطاكو”
(نجم – 1969)
***
( الدقي – 2006)
عندما تصل إلى الشارع (9) واصل السير على طول.. فى نهاية الشارع، ستجد «سوق»! وصلت عند السوق؟ تمامًا! أنزل من السيارة. وأسأل أى واحد واقف بـ«عربة» خضار، أو أى امرأة تجلس تبيع «جبنة» بلدى، وبجوارها «مشنة» عيش. أسأل .. فين عم نجم؟ ساكن فين؟ كل السوق أهلى وناسى.. وأنا ساكن فى الدور الأخير من عمارة فى عمارات الزلزال رقم (6). خلاص فهمت؟ قلت: طبعا فهمت! رد: أنا فى انتظارك. وما شرحه لى فى الهاتف وجدته فى الواقع.
***
(جبل المقطم – 2006)
عندما وصلت فى الموعد المتفق عليه بيننا.
سألت بائعًا كان واقفاً يبيع بقايا فاكهة، لا أذكرها الآن. «عم أحمد».. رد: «أنت عايز عم أحمد»؟ قلت: نعم. قال: على عينى، ثم ترك «أكل عيشه» وتقدم أمامى، حتى وصلت للعمارة.. ثم قال: «لو عليّ كنت سبت السوق وطلعت معاك»، ثم أردف قائلاً: عموماً هبقى أطلع له بعد المغارب»، ثم عاد الرجل من حيث جاء. وأنا أنظر إليه حتى أختفى فى زحام السوق وسط أصوات الباعة المزعجة.
***
– هما مين.. وإحنا مين
– هما الأمرا والسلاطين
– هما بيلبسوا آخر موضة
– وأحنا بنسكن ستة ف أوضة
– هما بياكلوا حمام وفراخ
– وإحنا الفول دواخنا وداخ
– همه مين.. وإحنا مين؟
ظلت هذه الكلمات التى كتبها عمنا «أحمد فؤاد نجم» فى الإسكندرية سنة 1977 تتردد على لسانى، وأنا أصعد درجات عمارة الزلزال التى يسكنها حتى وصلت للدور الأخير. ضغطت على جرس الباب، مرة واتنين وتلاتة، جاء صوته.. «أيوا مين»؟
سنوات مرت منذ ذلك اللقاء.. لم تنقطع زياراتى له. أعوام مرت على رحيله، انقطع هو عنا بجسده، وضحكته، وصراحته، وكلمته، وأشعاره.. و«لماضته» الجميلة.. ولسانه الطويل، وجلبابه الأبيض، وشعره الأبيض، وقلبه الأبيض من الاثنين معاً لكن لم ينقطع إبداعه. قال عنه ذات يوم الشاعر الفرنسى «لويس أراغون» (أشعاره فيها قوة تسقط الأسوار). وقال الناقد الراحل «على الراعى» عنه(أنه شاعر البندقية). ورغم ذلك الرئيس جمال عبدالناصر أصدر أمراً لوزير إعلامه فى ذلك الوقت محمد فائق قال فيه «اعتقلوه»، أما الرئيس السادات فقد وصفه بـ«الشاعر البذىء»!
***
( القاهرة – 1976)
– «هنا شقلبان/ محطة إذاعة حلاوة زمان/ يسر الإذاعة وما يسركوش/ بهذه المناسبة، وما بندعيكوش/ نقدم إليكم، ولا تقرفوش/ شحاتة المعسل، بدون الرتوش» هذه أبيات من قصيدة «بيان هام» التى كتبها. و”شحاتة المعسل” هنا كان يقصد به الرئيس الراحل أنور السادات. فى يوم 14 نوفمبر 1977 ألقى هذه القصيدة فى كلية الهندسة بجامعة عين شمس. وتقمص فيها شخصية السادات، فتحول إلى النيابة بتهمة إهانة رئيس الجمهورية بالقول والصياح علناً، وحكم عليه بالسجن 3 سنوات، وظل هارباً حتى عثر عليه البوليس، ورحل إلى السجن وقضى العقوبة، وهى تهمة يقول عنها صلاح عيسى فى كتابه “شخصيات لها العجب” تُعد المرة الثانية فى التاريخ التى يحاكم فيها شاعر بسبب شعره، بعد الشاعر مصطفى لطفى المنفلوطى. والتهمة كانت «إهانة الرئيس».
***
(سجن الاستئناف – 1968)
– «يبقى البتاع فى البتاع
– والناس صايبها ذهول
– وإن حد قال دا البتاع
– يقولوا له مش معقول
– وناس تعيش بالبتاع
– وناس تموت بالفول».
.. و«البتاع» هنا الذى يقصده نجم هو الانفتاح الاقتصادى الذى جاء به الرئيس الراحل السادات، وكتب هذه القصيدة فى سجن الاستئناف 1981. فى شقته الجديدة بالمقطم التى انتقل لها وترك شقة الزلزال سألته ذات مرة.. كيف تحب عبدالناصر وتكتب عنه قصيدة رثاء، وهو الذى اعتقلك ورفض خروجك من السجن عندما طلب ذلك منه الزعيم الفلسطينى «نايف حواتمة» رئيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فى ذلك الوقت. ويومها قال له: سيادة الرئيس أعلم أن هناك ثلاثة من الأدباء فى السجن. رد عبدالناصر: من هم؟ قال: “نجم. وإمام. وصلاح عيسى”. رد عبدالناصر، قائلاً: (ما تتعبش نفسك.. هؤلاء لن يخرجوا من السجن طول ما أنا عايش)! وبالفعل لم تخرجوا، إلا عندما جاء الرئيس السادات. من هنا أسأل: كيف تحب من سجنك؟ وتهاجم من أفرج عنك؟ رد قائلاً: هذا السؤال طرحته على الست أمى عندما زارتنا فى السجن بعد موت عبدالناصر؟ وقتها قالت: يا عبيط عبدالناصر هذا «عمود الخيمة»، وإن وقع «العمود» ضاعت البلد، كان هذا رأيه.. وكانت تلك فلسفته فى حب عبدالناصر. أما موقفه من السادات فكان بسبب معاهدة السلام، وسياسة الانفتاح الاقتصادى التى حولت المجتمع المصرى – حسب قوله – إلى أغنياء وفقراء!
***
(المقطم – 2013 )
يوم الثلاثاء الموافق 3 ديسمبر من ذلك العام، كنت فى بيتى الذى لا يبعد عن هنا أكثر من 10 دقائق – هكذا تتذكر ابنته الصغري زينب – فجأة رن الهاتف: أمى تصرخ.. لم تكمل كلامها من البكاء.. بعد دقائق كنت فى الشقة أمي تتحدث فى الهاتف إلى أختي”نوارة” تقول لها: أبوك مات. كانت هذه الحروف هى أسوأ كلمات سمعتها فى حياتى. وضعت أمى السماعة وجلسنا حتى جاءت أختى.. الآن. . مات أبويا.. الرجل الجميل.. الطيب.. الإنسان.. الشاعر.. المبدع.. مات كل شىء فى حياتنا بموته، لقد مات واقفاً.. لم يمرض.. لم يشكُ من مرضُ.. فجأة بعدما استيقظ من نومه فى الصباح.. جلس- كعادته- يقرأ الصحف.. ثم فجأة سقط فى مكانه، وكأنه أراد أن يواجه الموت بنفس قوته التى اعتدنا أن نراه عليها. مات وتركنا حزانًا بفراقه”! قالت ذلك ثم التزمت الصمت بعض الوقت. بعدها غادرت بيته القريب من بيت الفنان يحيي الفحراني مترجلاً إلى شارع 9 بالمقطم وفى ذهني لقاء كان لى معه، لا أنساه.
***
( وسط القاهرة – 2009)
كنا فى عصر يوم حار عندما اتصل بى شاب عربى من فلسطين ( لا أذكر اسمه الآن ) وطلب منى أن أتوسط له، لدى عم أحمد حتى يذهب ويراه قبل أن يغادر القاهرة، وبالفعل رحب بالزيارة. واصطحبت الشاب إليه. وهناك قال له الشاب: «أبى قال لى أن سافرت للقاهرة، فأوصيك بزيارة اثنين. واحد ميت. والآخر حى. قلت له من هما؟ قال: قبر عبدالناصر.. وعمك أحمد فؤاد نجم.
فابتسم أبو النجوم وفتح ذراعيه واحتضنه وهو يقول:
– يا فلسطينة
– والغربة طالت كفاية
– والصحرا أنت
– م اللاجئين والضحايا
– والأرض حنت
– للفلاحين والسقايه
– والثورة غاية
– والنصر أول خطاكو
– يا فلسطينة
– وأنا بدى أسافر حداكو”
ثم توقف عن الكلام ليشعل سيجارة كانت أمامه. أما الشاب فظل يبكى بلا توقف لمدة طويلة حتي ودعناه على وعد بلقاء آخر.. لكنه مات قبل أن يعود هذا الشاب إليه مرة أخري!
***
.. وفي نهاية الرحلة.. مات الفاجومى.. مات أبوالنجوم.. أبوضحكة حلوة.. وقلب صافى.. وحب دافى للبشر.. وكلمة صادقة للوطن.
– “مات المناضل المثال
– يا ميت خسارة ع الرجال”
وحشتنا يا أخى!
خيري حسن

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.