إبراهيم عيسى “للصورة”: التليفزيون هو المرشح للموت والصحافة ستعيش للأبد

 

في وطننا العربي التلفزيون هو الوسيط المرشح أكثر للدفن والصحافة لن تموت إلا لو ماتت فكرة البحث عن الحقيقة أو مات الفضول عند الإنسان..

تراجع الصحافة مرتبط بتراجع هامش الحريات ومتفائل جدا بزيادة أعداد دور النشر والكتاب والمبدعين..

كتب كثيرة صدرت وكانت عبارة عن بوستات مكتوبة على وسائل التواصل الاجتماعى وهي ظاهرة إيجابية ستنمي حب القراءة والمعرفة..

نحن مدينون لعلاء الأسواني وعمارة يعقوبيان بعودة الرواية إلى أصحابها وظهور ” الكاتب النجم ” من جديد..

 

ذهبنا إليه نسأل عن الثقافة فتحدث إلينا عن الثقافة والصحافة والأدب والفن والنقد، فخرجنا من الحوار بمادة مكتوبة لحوار صحفي، ومعه خرجنا بأفكارهائلة تصلح للكتابة، وقضايا كبيرة تستحق النشر، ومعارك “ثقافية سنخوضها بلا شك..  

الكاتب الصحفي الكبير إبراهيم عيسى، التقانا في منزله في حوار عن المشهد الثقافي في مصر، حاولنا معه أن نصل لإجابات لأسئلة تنتظر الإجابة، وطرحنا عليه علامات استفهام لمشهد معقد ومركب، وقد كانت الإجابات “كعادته” مثيرة للجدل، وصالحة جميعها “لمانشيتات” صحفية تثير فضول وخيال القاريء، شيء واحد فقط نسينا أن نشكره عليه قبل أن نغادر وهو صورته ” بالجلابية” التي اختص بها “الصورة”، ليكون أول موقع مصري يعرض للقاريء صورة إبراهيم عيسي “بالجلابية”!

حوار: عمرو بدر.. تامر عبد الحميد.. محمد أشرف.. منى يسري .. نشوى شريف 

تصوير: عبد الرحمن مسعود

هل انهزمت الصحافة أمام التليفزيون أم أن أمامها فرصة للنهوض؟

الصحافة هى رسالة البحث عن الحقيقة وترسيخ الحرية وكشف الحقائق، وأدوات الصحفى هي التليفزيون والإإذاعة والجورنال الورقى الإلكتروني، والصحافة عمرها ما هتموت لأن البحث عن الحقيقة لا يمكن أن  يموت، فى الفن أيضا لا شىء يموت وفى الأعمال الإبداعية لا شىء يموت، لكن فى المحصلة الأدوات بتتغير، فالأدوات الورقية هى التي تراجعت، وكذلك تراجعت نسب مشاهدة التلفزيون بشكل كبير لدرجة الانهيار، وانا أرى أن التلفزيون هو الذي سيموت وليس الصحافة، مع ملاحظة أن موت التليفزيون في وطننا العربي مرشح أكبر من العالم الخارجي،  فعندنا إما تلفزيون حكومى أو تليفزيون موجه وتقليدى، لذلك فهذا هو الوسيط المرشح أكثر للدفن، فالشاشة تحولت إلى شاشة منصات رقمية، وشاشة مواقع، وشاشة يوتيوب لذلك فهي مرشحة أكثر للموت، لكن الصحافة لا يمكن أن تموت إلا لو ماتت فكرة البحث عن الحقيقة، أو مات الفضول عند الإنسان وساعتها تكون البشرية كلها ماتت..

إذا لماذا تراجعت الصحافة بالشكل الذي نراه؟

تراجع الصحافة الورقية له سببان أولهم مرتبط بالمخاطر التي تواجه المهنة والصحافة الورقية بالذات فى مواجهة الوسائط الأخرى، أما السبب الثاني فهو تراجع الحريات فالأمر الوحيد الذي يجعل الصحافة الورقية تعيش وتزدهر هو الحرية، ولابد أن أوجه لكم التحية على فكرة الموقع، وسواء استمر أم لا فرسالتكم ستعيش ضاحكا: أنا أصدرت 9 صحف وإغلقوا ،كلهم قبل الدستور الثانية، وبالضبط بين جريدة الدستور الأولى والثانية وأصدرت أكثر من مجلة وجريدة ولم يظهروا للناس أصلا منهم مجلة معا التي أحبها جدا..  أنا عملت جورنال نزل فى السوق بصورتى أنا فقط وتحت أسم شادى عز الدين لأنى كنت  عارف أنه مش هيتنشر، فيه قصص كتير بتقول لا يأس مع الحياة وأنك لازم تستمر فى القتال من أجل رسالتك..

كيف ترى المشهد الثقافي في مصر من حيث الكتابة والنشر والفن ومساحة الحرية المتاحة؟

فيما يخص الثقافة هناك مشهد مركب،  فعلى صعيد الكتب أنا سعيد بحالة النشر فى مصر، فقد زاد عدد دور النشر فى مصر، وزاد عدد المؤلفين والمبدعين اللى شايفين فى نفسهم القدرة على التواصل مع الناس من خلال الكتب والإبداع، وربما جزء من أسباب ده هو جود وسائل التواصل الإجتماعى التي صنعت حالة فيها جزء إيجابى وجزء سلبى كأى ظاهرة إنسانية، ومن ضمن إيجابيتها إنها سمحت للإنسان بالتعبير عن نفسه، وعرض رأيه على الناس، ولكن طبعا ده عمل مشكلة كبيرة أنه حول ثرثرة البارات إلى كتابات وأفكار تؤخذ مأخذ  الجد، وصفتها أنا بتعظيم السفاهة، ومن مشاكل التواصل الإجتماعى أيضا الخلط ما بين الانطباع والرأى، يعنى الناس بتقول إنطباعاتها، إنما الرأى لابد أن يكون مبنيا على أدلة وحجج ومعلومات، ومش بالضرورة ينتهى للى أنت عاوزه أو اللى القارئ عاوزه، حصل أن أصبح هناك جرأة على الكتابة، وهذا  صنع رواجا لمنتج الكتابة، فما أكثر الكتب التي صدرت وكانت عبارة عن بوستات مكتوبة على وسائل التواصل الإجتماعى، والمفروض أن أتعامل مع هذه الظاهرة على أساس أنها سلبية، ومع ذلك أنا رأيي أنها إيجابية، لأنه فى المحصلة القراءة مهمة، والكتب انتشرت لدرجة أنك ترى عددا كبيرا من إصدارات الكتب لناس لا تعرفها، لذلك أتمنى أن يقوم موقعكم  بترشيح الكتب لنا، لأن وجود كتب لكتاب مجهولين أمر جيد  أيا كان المحتوى..

رغم انتشار الكتابة والنشر في مصر هل حركة النقد بخير؟

للأسف لدينا إنتاج وقراءة وليس لدينا المرحلة الوسيطة التي هى الفرز والكشف والنقد والتقديم، وكل الموجود فى المرحلة الوسيطة هى إنطباعات يشكلها روح قطيعية، لأن أحد  مشاكل وسائل التواصل الإجتماعى هي هذه الروح،  فبدلا من أن تؤسس لحق الفرد في أنه يقول رأيه مهما كان وجهت الرأى “حتة واحدة” وتتحول هذه الرؤية الأحادية إلى رأي عام مع أنها المفروض تعمل على خلق روح الفرد والتميز فالحلقة الوسيطة بين الإنتاج والكتابة والقراءة تقريبا مفقودة فى المشهد الثقافى، وتحولت إلى روح إنطباعية وعدوانية على طريقة قصيدة النثر أنا”  دايما كنت بقول أن فيه خطر على مصر من 3 حاجات إسرائيل وفيروس سي وقصيدة النسر” ليس هذا معناه أننا نحارب قصيدة النسر لكن معناه أن هذا النوع من الفن هو مسئولية القارىء وليس الشاعر، فالقارىء هو المسئول عن تفكيكيها وعن وزنها وعن إيقاعها وعن موسيقاها، لكن مش معنى هذا إيقاف الأنواع الأخرى من الأدب  ” اللي عايز يبدع يبدع واللى عايز يكتب يكتب، فنحن علينا أن نقبل بالتعدد والتنوع ، لكن للأسف هذا لا يحدث فمن يهتم بالفن التجريدى يريد كل الفن تجريدى، فمثلا الافلام التي تعرض في المهرجانات تعتبر أنها أفلام غير تجارية وتكره الأفلام التجارية وعاوزانا كلنا نبقى “أخضر يابس” أو “على معزة وإبراهيم” ما المانع أن يكون كل هذا موجودا ويبقى موجود غيره من الأفلام التجارية مثل الخلية وأولاد رزق لكن متقولش إن كل الأفلام تبقى مستقلة أو تجارية..  ..

الأكيد أن المشهد الثقافى فى مصر متنوع ومتعدد، وكل الناس بتتعامل معاه بشمولية لأن الناس كلها تريده نمطا واحدا، فمثلا عندنا كمان  الكتاب وهو يتعرض لأشد الظواهر وحشية وهو تزييف الكتاب زى مثلا حروب الرحماء صدرت يوم الثلاثاء ويوم الأحد كانت متزورة 700 صفحة، الكتب المزورة للكتاب الناجح فى مصر هو تقريبا 6 أضعاف الكتاب واتعمل التجارب الشعبية ومنجحتش لأنهم بيزوروا الشعبية أيضا، هذه ليست قضية فالناشرمطالب بسداد حقوق المؤلف وحقوق المطبعة ومصمم الغلاف وحقوق للمحرروالمراجع كل هذه الأمور مضافة إلى سعر ومن يزور مبيدفعش أى حقوق وبيدفع حق المطبعة فقط، ذات مرة حصلت على نسخة من مولانا من أحد القراء لكي أوقعها له واكتشفت أن الرواية بها شخصية اسمها مدحت أنا معنديش حد فى الرواية اسمه مدحت خالص!

المؤكد أنني أوافق تماما إن الناس كلها تكتب وتجرب وأنا رأيي أن عروض الكتب أفضل من النقد لأن النقد هو محاولة لفرض رأى الناقد إنما عرض الكتب للقراءة أفضل ويعطي حرية الاختيار..

الجزء المكمل للمشهد الثقافي الآن أنه أصبح هناك غلبة للكتب الروائية أكتر من أي نوع  آخر من الكتب..

وبمناسبة الكتابة هناك نوع من الكتابة اسمه الكتاب الصحفى، هو تحقيق صحفى متكامل مكتوب بصياغة أدبية بتقدم للقارئ، فيه معلومات أحيانا لأول مرة تنشروهو أقرب للتحقيق الاستقصائى  موجود فى كتاب، وهو عبارة عن شهادة وحوار  زى كتب الأستاذ عادل حمودة  والاستاذ محمو فوزى ” رحمة الله عليه  ” وآخرين، أنا شاركت فى التجربة بعد نضجها فقد ظهرت فى آواخر الثمانينات وبداية التسعينات وتضاءلت فى مصر رغم أنها مازالت موجودة على القوائم الأكثر مبيعا فى العالم..

والنماذج عندنا مثلا للكتاب الصحفي الاستاذ جمال الغيطانى عمل شهادات لنجيب محفوظ يتذكر مذكراته ويرويها ولا تزال كنز من كنوز المعرفة

وفى كتب صحفية كتير أنا شاركت فيها زى ” عمائم وخناجر ” إنما فى المحصلة كانت ظاهرة ناحجة جدا وهناك إقبال هائل عليها وتبيع عشرات الآلاف من النسخ، وفي مصر الأستاذ عادل حمودة كان الأنجح كانت ظاهرة أنا كسبت منها أدبيا وماديا، لكنها للأسف انحسرت مع ظهور الصحافة المستقلة وظهور الفضائيات وأنسحبت من حياتنا المصرية ..

هل زاد توزيع الكتب في مصر فعلا؟

مع وجود الإنترنت أقدر أقول إن الكتب فى مصر زاد توزيعها، رغم إن المفروض كان يبقى الانترنت إنعكاسا بالتراجع، ولازم أقول إننا مدينون بالفضل لعلاء الأسوانى ولرواية عمارة يعقوبيان،  ففى فترة السبيعنيات كان هناك ظاهرة اسمها إسماعيل ولى الدين، ورواياته كانت تتحول لسينما بعد نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، إسماعيل ولى الدين إستعاد الأدب إلى السينما ومعظم رواياته تحولت إلى أفلام ثم انقطعت هذه الظاهرة بعد قلة إنتاج إسماعيل ولى الدين وخلى المشهد من الكاتب الأكثر مبيعا، ثم جاء علاء الأسوانى بعمارة يعقوبيان التي أعادت الرواية إلى أصحابها، وعاد الكاتب النجم، وحصل إتساع للمشهد وكان علاء الأسوانى معه فى هذه الظاهرة نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق ولعبوا دورا مهما في أن جيلا صغيرا فى السن يقروا كتب فيبقى عندهم تواصل مع القراءة وحب الكتاب، فكتابتهم صنعت قاعدة للقراءة ، وخصوصا بعد إنتقال الدكتور أحمد خالد توفيق من  فكرة الكتابة للسن الصغير واتسعت الدائرة وزادت إتساعا بدخول وسائل التواصل الإجتماعى، وفي فى صناعة هذه المشهد هناك أسماء كثيرة، منهم أحمد مراد ويوسف زيدان وعز الدين شكرى وكلها أسماء فى الأكثر مبيعا، والأكثر مبيعا مش معناه الأكثر تجارية أو الأقل أدبا فكتابات يوسف زيدان شديدة الرقى وكتابات عمر طاهر أيضا فهو من أهم الأسماء فى الأكثر مبيعا زى صنايعية مصر ..

عاوز أقول إن أكتر المبادرات التي أقدرها جدا الآن هي وجود شباب ” يوتيوبر” بيقدموا عروضا للكتب ودى حاجة لطيفة،  بس هو بيتكلم من وجهة نظره،  ولو كان لدينا مؤسسات نقدية وصحافية هى اللى تقدم هؤلاء الشباب كان الوضع أصبح وأظن أننا نحتاج لتعظيم هذه الجهود دى وتنظيمها بقواعد ومعايير ..

 من المسئول عن إعداد الناقد؟

أقسام  النقد الأدبى فى كلية الأداب وقسم اللغة العربية والأدب الإنجليزى ده المؤهل، وأكاديمية الفنون المسرحية حتى مش بالضرورة الدراسة الأكاديمية المنتظمة، ممكن تكون المباردات من مؤسسة ثقافية ومؤسسات صحفية لكي الشاب المحب للقراية والكتابة، وتزوده ببرنامج واضح لقراءة الكتب أو ورشة أو أكثر من ورشة كيف تكتب كتابا كيف تقرأ، أنا مستعد إنى أقول إن قراءة كتابات الأستاذ رجاء النقاش وحدها كفيلة بتقديم نقاد من طراز رفيع، أتمنى وجود ورشة لدراسة وتفكيك ما كتبه الأستاذ رجاء النقاش خصوصا أن مافيش حد كتب عن دوره وكونه أعظم صحفى ثقافى عربى منذ جاء نابيلون بالمطبعة لمصر.. رجاء النقاش معلم عظيم يكفى دراسته وحده لصناعة ناقد، مش المهم الكليات بس لكن الأهم المؤسسات الثقافية، فرغم وجود ورش للكتابة الإبداعية في مصر ليس هناك ورش للنقد الأدبي..

الجزء الثاني قريبا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.