الطلب الأخير

صورة وكلمة

مي حمادة

لي طلب أخير قبل انفصالنا خشيت أن أتحدث به حتي لا أرهقه، أو حتي لا يتذكرني كإمرأة متطلبة أو ربما لغرابة الطلب ذاته الذي قد يجعلني أبدو في نظره غير متوجعة بألام الفراق، فقد تعودنا على مصارحة بعضنا البعض دائماً بكل شئ حتي وإن بدت الأشياء تافهة أو في غير موضعها، فنحن كنا أحباء بغير موضعنا بالأساس، لا تنطبق علينا قواعد الحب الطبيعية التي تنطبق علي كافة العشاق، كنا بمثابة أب وأم في احتضاننا لبعضنا، كلانا يخشي أن يتألم الأخر، فكنا نرسم الحواجز خارج علاقتنا لتحمينا سوياً، لا حدود ولا حواجز بيننا، لا عواصف ولا غضب بيننا، ليحدث ما يحدث في العالم طالما أنه لا يخصنا، وإن حدث خلاف أو سوء فهم في يوم من الأيام، كنا نجنبه بحسن ظنوننا، ونجلس لنناقشه كأنه يحدث لاثنين من الغرباء، فنضحك في النهاية علي ما كاد يودي لتوه بحتف علاقتنا، كنا نجيد تصغير الأمور الكبيرة، حتي أصبحنا لا نراها بعيوننا بل بعين عاطفتنا، تلك العين التي كانت تجيد رؤية المحبوب بما لا يراه الناس فيه بأعينهم، بل أنها عين من أحب، تلك التي لا تري سوي المثالية المطلقة في شخص حبيبها

نظرت في عينيه ونحن نمسك بأوراق الطلاق، وأنا أري بوضوح دموعه المحبوسة في عينين حمراوتين تكتظ فيهما دماء الغضب، غضب أخفي جمال عينيه اللتاناعتدت النظر فيهما حتي أري الأمان، وأمام خيبتي الدائمة في إيجاد الكلمات المناسبة وأنا أتحدث أوقات المصائب، أطلق فمي كلمتين لم أسمعهم حتي وجدته يرد بالإيجاب، فعلمت أنني نطقت لتوي وما كدت أفعلها…

“ممكن نروح البحر؟”

“في ديسمبر؟ فكرة حلوة والله، يلا بينا!”

ركبت سيارته إلي جواره كما اعتدنا وقت زواجنا، وفي لا وقت كنا مستعدون بصندوق به بعض الأطعمة الخفيفة والفاكهة وزجاجة الشاي المفضل لي، وزجاجة القهوة المفضلة له، مر عام كامل منذ اتفاقنا علي الإنفصال حتي انتهت إجراءات الطلاق بالتراضي بيننا، خلال ذلك العام امتنعنا عن رؤية بعضنا، بالاتفاق أيضا، حتي لا تتأثر إرادتنا بعد أن اتخذنا قرارنا بالبعد أخيراً.

أنا معه في سيارته كأننا انفصلنا بالأمس، وجدت يدي تذهب لتعانق يده اليمني حتي منعتها في منتصف الطريق، وادعيت أنني أسقطت قرط أذني اليسري، فأنا أقوي من أن أضعف وأضعفه بعد أن قطعنا شوطاً طويلاً في الفراق، لا أريد أن أستبد لكنني وإن قسوت علي قلبي لصالحه، سأفعلها بلا تردد.

كنا نسير علي سرعة تخطت المائة كيلومتر في الساعة، وأنا أرجوه في مخيلتي أن يبطيء، أو ألا نصل إطلاقاً، كنت أتمتع بالطريق ناظرةً للصحراء التي مررنا بها، أردت حفر الطريق في ذاكرتي وإزاحة صورته عن عقلي، فتوقفت عن استراق النظر إليه ولم نتحدث بكلمة واحدة، حتي وصلنا للشاطئ اخيراً، مياة البحر تتلألأ أمامي لتذكرني بأيام الصيف معه، لن أعوض تلك الأيام، ولن أعوضه يوماً، لكن ربما سنلتقي في حياة أخري، سيبحث عني وسأبحث عنه حتي أجده ويجدني، حتي لو كنا قططا في هذا العالم الآخر، حتي لو كنا أشياء، حتي لو كنا أريكة وكرسي يباعون في مزاد علني، ستأتي سيدة جميلة ذات ذوق راق، لتختار القطعتين قائلة “مافيش بعد كدة، دول لايقين علي بعض جداً!”.

افترشنا الأرض بمفرشي المفضل المخصص لذلك النوع من السفريات، بشكله المألوف، مربعات لونها أحمر مع أخريات باللون الأبيض الناصع، طبق الفاكهة، زجاجة مياة، فنجانان، شاي وقهوة، سيارته الكاديلاك السوداء خلفنا، معنا أغطية زائدة لاحتمالية سقوط أمطار، ولا احتمالية أنني قد أغفلت إحضار أي شئ لرحلتنا الأخيرة.

نظر إلي ولم يشح بعينيه عن وجهي لدرجة أربكتني وحمرت وجنتاي، لكنني ممتنة لنظارتي التي اشتراها لي العام الماضي فور انتهائنا من مشاهدة فيلم النظارة السوداء، مغازلني بادعاء أنها ستبدو علي وجهي أفضل مما بدت علي وجه نادية لطفي، وهو يعلم تمام عشقي لتلك السيدة بكافة تفاصيلها، حتي انتزع النظارة عن وجهي ليجد عينين لامعتين علي وشك الإنفجار في البكاء، ليجففهما الهواء في ثواني، وليزيد هو إرهاقي بنظراته التي تشعل قلبي مراراَ، حتي فتح فمه قائلاً

“مش ناسية حاجة؟”

“أنا: تقريباً جبت كل حاجة، انت في حاجة ناقصاك؟” قلتها وأنا أدعي السذاجة، نعلم كلانا أنني لا أغفل التفاصيل، وفي عينيه رأيت امتناناً واسعاً حين رأي زجاجة القهوة الخاصة به والتي لازلت أحتفظ بها بعد كل ما حدث، أعشق أيضاً ادعاء الغباء حتي أترك له مساحة التعبير عن حبي الذي لم أتشكك في إنتهائه لوهلة، فالتزمت الصمت ليتحدث هو…

“هو انتي عمرك نسيتي حاجة؟، أنا كان ناقصني، بس دلوقتي انتي هنا، ومافيش حاجة بعد وجودك ناقصة” قالها وهو يلف جسده للشروع في النوم علي الأرض،  بينما وضعت رأسه بطريقة لا إرادية علي ساقي المتربعة، لينفجر في الضحك وأتبعه أنا، ثم ناولني نظارتي مرة أخري، لأدخلها بين ثنيتي غطاء رأسي الأحمر اللامع الذي يحمي بعثرة شعري في الهواء، حتي نال من طرفه الأيمن وجذبه وجذبني إليه ليطبع قبلة علي خدي الأيسر، ويفك بذلك غطاء شعري الذي كاد يطير في الهواء من شدته، حاولت دفعه عن ذلك بإمساك يده اليمني، حتي تشابكت أيدينا كأنها تتعانق بعد غياب طالت مدته، وكأن طيلته قتلت الشعور في يدي، حتي أحياها بلمسته تلك.

صمتنا وأنا انظر إلي البحر الواسع الذي لم أدرك نهايته ببصري، بينما كنت أفكر كيف أن لهذا الكم من المياه أن يعجز عن إطفاء نار حبي وأشواقي له، أشواق ووحشة لا تنتهي حتي وهو معي، حتي قام ليفتح الراديو وتنطلق منه أغنينتا المفضلة لسعاد محمد، لتخترق أذنينا كلماتها المترددة “أكتر وأكتر واحنا سوا…”، لا فائدة من الهروب، كل شئ يلقي بي في اتجاهه.

أخرجت سيجارة من علبته واحترت كالعادة في إشعالها حتي تولي هو ذلك، مخرجاً إياها من بين شفتيه إلي شفتي مباشرة، ربما لأنه يعلم أنني افتقدت شفتيه، أو ربما أراد أن يعيد لذاكرتي طعم شفتيه حتي يستفز مشاعري مرةً اخري، أكرهه، أبغضه، لئيم إلي أبعد الحدود، أحبه إلي الحد الذي لا يدركه بشر، أغفر له ما يتعدي حدود الملائكة، أريده في كل لحظة، أريد أن ابتعد عنه الأن حد السماء وحد الأرض، أتوق لليوم الذي أراه أباً لطفل يشبهه تماماً، أو لإبنة تحمل صفاته بكل ما فيها إلي جانب عينيه الحادتين، فشلت كل محاولاتنا في حدوث ذلك، وأعلم انه لا يريد الأن شيئاً سوي طفلاً مني، لكنني لا أستطيع منحه إياه، ولا أستطيع منعه أن يأتي به من غيري، يقسم كل يوم أنه سعيد بحياتنا معاً ولا ينقصه شئ، ولكن عيناي التي اعتادت ألا تغفل التفاصيل، لم تستطع تغافل عدم قدرتي علي الإنجاب، هو الأن حر برغبتنا، أتمني له السعادة من كل قلبي، حتي لو بدوني، سأظل أحبه!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.