“أبناء الدنمارك”: مأساة اللاجئين وصراع الهوية في فيلم مختلف

كتبت: شيماء خميس
في اليوم الثامن من فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي في دورته ال ٤١ عرض الفيلم الدنماركي “أبناء الدنمارك” بالمسرح الكبير ضمن المسابقة الدولية، بحضور المخرج العراقي الأصل دنماركي الجنسية “علا سليم” وبطل الفيلم “زكي يوسف” المصري الدنماركي.
ساعتان من السكون حبس الجمهور أنفاسه تفاعلا مع البطل وصراعاته، فالفيلم بعد أن قدم لنا شاب عراقي مهاجر للدنمارك هربا من ويلات الهروب يتورط “زكريا” مع جماعة إرهابية تستغل حماسه وخوفه ضد تصاعد سطوة اليمين المتطرف وينتهي أمره وراء القضبان بعد أن وشى به أحد رفاقه الذي تكشف لنا الأحداث أن “علي” أو “ماليك” عميل للمخابرات الدنماركية وتتحول الأحداث ليصبح “ماليك” هو البطل الذي تحبه وتتفاعل معه وتتوحد مع صراعاته ومخاوفه بعد أن كنت تبغضه منذ دقائق.
ويستمر الصراع بين “ماليك” الذي يمزقه خوفه على أسرته وواجبه نحو عمله وإحساسه بالذنب بعد الزج بزكريا في السجون، وعلى الصعيد الأخر تتصاعد أسهم “مارتن نوردال” القيادي اليميني وهو نفس القيادي الذي أنقذه “ماليك” من القتل على يد “زكريا” الذي يشعل موجة التحريض ضد الأقليات.
تقترب موعد الإنتخابات ويلمع نجم “مارتن” ويلوح في الأفق فوزه الوشيك رغم خطابه التحريضي ووعوده بطرد كل اللاجئين الهاربين من الشرق الأوسط من ويلات الحروب، وفي الجانب الأخر يكتشف “ماليك” تورط “مارتن” مع جماعة متطرفة تسمي نفسها “أبناء الدنمارك” تقرر إرهاب الأقلية المسلمة بالقتل والتشويه بسائل حارق، فيقرر مواجهة “مارتن” للتخفيف من حدة خطابه لتهدئة الأوضاع لكنه يرفض ويصر على موقفه، الأمر الذي يضطر “ماليك” لممارسة عنف مضاد انتقاما لزوجته وابنه وخوفا على الأمن القومي من وصول هذا القيادي المتطرف للسلطة.
صراع العنف ليس جديدا ونحياه جميعا على مستوى العالم، لكن “علا” قدم معالجة بارعة لصراع الهوية والعنصرية التي يلاقاها اللاجئين في بعض دول أوروبا من المتطرفين الجدد الذين قرروا مواجهة العنف بعنف مضاد أكثر شراسة.
قدم “سليم” في أول تجاربه الإخراجية عملا متكامل العناصر وحرص على بعض التفاصيل التي تجعل الجمهور يتعايش مع الشخصية وصراعاتها وتعمد في كل مشاهد انفعال “ماليك” وفورة ثورته أن يقدم ردود أفعاله وهو يصرخ أو يبكي بدون صوت، فالصمت أحيانا يوحد مشاعر المتفرج مع الشخصية.
السيناريو الجيد للفيلم جاء عكس كل توقعاتك أثناء المشاهدة مع أداء رفيع المستوى من الممثلين للشخصيات المركبة التي اعتمدت عليها الأحداث، لينتهي الفيلم بنعاية حزينة عكس توقعات الجمهور، وقبل إسدال تتر النهاية على الشاشة دوى تصفيق حاد من الجمهور اختفاءا بإنتقام “ماليك” من “مارتن” في مشهد عبثي يجعل أشخاص أسوياء تحتفي لأسباب منطقية بمشهد انتقامي، وكأن الفيلم ينقل الصراع من عقول الشخصيات للجمهور ويدخلهم دائرة المفرغة للعنف والعنف المضاد، وهي الدائرة التي نحياها جميعا بأشكال مختلفة في كل دول العالم.
الفيلم تدور أحداثه عام ٢٠٢٥ ليتوقع مستقبل الدنمارك إذا استمر الحال على ما هو عليه، وانتهت الأحداث على غير المعتاد بالقضاء على الإرهاب والإنتصار للحق، لكنها انتهت بإنتصار قوى الإرهاب والتطرف بمشهد حزين مأساوي وعنف مضاد للتطرف ليخبرنا أننا لو لم ننتبه جميعا فالأحداث الأسوء لم تأتي بعد، لكنه اختتم هذه النهاية الحزينة مع أغنية رقيقة تغنيها أم “زكريا” لابنها الصغير على أمل بحياة أكثر أمانا.
وجدير بالذكر أن المهرجان عرض أكثر من ١٥٠ فيلما من ٦٣ دولة، من بينها ٣٥ فيلما في عروضها العالمية والدولية الأولى، و٨٤ فيلما في عرضها الأول بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اترك رد