مقعد فارغ على البار

رائد سلامة

رائد سلامة

دَفَع الباب ببطء، نَظَرَ حوله غير مبالٍ ثم توجه صوب أول مقعد وقعت عليه عيناهأمام البار الذي كان يتسع بالكاد لخمسة مقاعد بخلاف طاولات كثيرة تناثرت في المكان، طَلَبَ كأساً من الكونياك أتاه فوراً مصحوباً بطبق من الفول السوداني، أشعَلَ سيجارة و جَرَعَ الكأس دفعة واحدة ثم طَلَبَ كأساً ثانية. لم يكن بإستطاعته تمييز ما يقوله المتحلقون حول الطاولات البعيدة لكنه بشيئ من الجهد تَمَكَنَ من إستراق السمع لما يدور من حوار في أقرب الطاولات إليه بين عجوزٍ بدت علامات الثراء علي هيئته و بين مومس قَدَّرَ أنها حديثة العهد بمهنتها، فَهِمَ مما تناهي إلي مسامعه أن الصفقة قد أُنجزَت و أنهما بسبيلهما للمغادرة، أشفَقَ عليها كعادته مع قريناتها اللاتي صادفهن خلال إقامته وحيداً بوسط القاهرة التي سكنها بعد عودته من إغتراب سنوات طويلة بالخليج مُحَمَلاً بدنانير كثيرة و هزائم أكثر للروح. كان قد إعتاد بعد أن يُتم الصفقة مع إحداهن و قبل أن يصطحبها إلي الأستوديو الذي يسكنه وحيداً أن يشتريان معاً كمية وفيرة من الكباب و بعضاً من زجاجات البيرة، كان يجلس تاركاً لها كل الطعام مُكتفياً هو بالشُرب و بتأمُلها و هي تلتهم بشراهة ما وُضِعَ أمامها ثم يَصرِفها دون أن يمسها بعدما يمنحها قدراً من المال يفوق ما أتفقا عليه. جَرَعَ كأسه الثانية دفعة واحدة ثم طلب كأساً ثالثة شَرَع في إحتساءها ببطء.

“مساء الخير”..قالها خَمسينيٌ وسيم فُوجئ به جالساً إلي يساره علي البار، كان الرجل يرتدي بذلة سوداء و ربطة عنق من نفس اللون علي قميص ناصع البياض و يضع بين وُسطاهُ و السبابة سيجاراً كوبيًا ضخماً، لم يرُد التحية لا بأحسن و لا بأسوأ منها تَجَنُباً لأن يكون ردها مُفتَتَحاً لحديث لا يسعي إليه، فقط تجاهَلَهُ ليعيدها الخمسينيُ الوسيم، إكتفي حينها بأن أومأ برأسه ثم أشعل سيجارة أخري و عاد لكأسه.

“أعرف أنك لا تريد الحديث، لكن ماذا عسانا أن نفعل و قد فرضت علينا الأقدار هذا اللقاء”، هكذا تحدث الخمسينيُ الوسيم دون أن ينظر إليه، تَجَهَم و رَدَ في إقتضاب: “أقدار! أي أقدار؟ أحتاج إلي أن أختلي بنفسي لو سمحت”، قال الرجل “أنت لا تحتاج الإختلاء بنفسك، أنت فقط تريد ذلك، و الفارق عظيم بين ما تحتاجه و ما تريده”، صَمَتْ فعاجله الخمسينيُ الوسيم “لماذا نخشي الموت و نحن لا نعرفه؟ كيف يخشي المرء ما لا يعرف، ألا يجب أن نعرف الشيئ حتي نُقَرِر أن نخشاه أو ألا نفعل”، إستسلَم، لِمَنطِق الرجل وجاهة علي نحوٍ ما، يبدو أنها ليلة ليست ككل الليالي، لا بأس بقليل من التغيير حتي و إن زال أثر الكئوس الثلاث، هكذا فَكَرَ في نفسه ثم قال “معك حق لكن ربما كان الجهل بالشيئ بحُكْمِ غُموضِهِهو مناطُ الخشية منه، الخشية سببها الغموض”، قاطَعَه في تقريرٍ صارمٍ لم يَخل من نبرة ود: “لا، ربما يَحِقُ لك وفق مَنطق الغموض أن تتوجس أو أن تحذر، لكن الخشية ليس لها محل في سياق الموت، ما الموت سوي حَدث، مُجرد حَدثٍ كالولادة..النجاح..الفشل..الصحو..المنام، أليسَ النوم موتاً، لماذا نخشي الموت و لا نخشي النوم الذي يسعي إلينا كما يفعل الموت. هيا بنا نغادر، سأصطحبُك إلي مكان آخر”، إستجاب لدعوة الرجل دون رد فخرج معه من البار مُتثاقلاً.

سَمعَ عامل البار صوت إرتطامٍ بالخارج فإنطلق مُسرعاً ليجدَهُ جثة هامدة دون جراح بينما إختفي الخمسينيُ الوسيم فجأة كما جاءَ فجأة تاركاً مقعداً فارغاً علي البار.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.