عن حرية الصحافة وشياطين أخرى

أحمد عبد اللطيف

 هناك أنظمة يمكن وصفها بـ “الثورية”، تفعل كل ما بوسعها لتصنع ثورة. هي تخطط لها وتعمل عليها بدأب، ويستجيب المواطنون لها بكل رضا أو بكل اضطرار. تعمل مثلًا على مصادرة الصحافة، تغلق كل نوافذ التعبير عن الرأي، تكتم الهواء داخل الغرف والكلمات داخل الحناجر. تلقي القبض على الصحفيين مثلًا، تستجوبهم باعتبارهم مجرمين، تعاقبهم لأنهم لم يخالفوا القانون واتبعوا تعاليم مهنتهم في نشر المعلومة وتداولها. تشرّع ضمنيًا أن الصحافةجريمة، رغم أن الصحافة ليست جريمة، لم تجرمها القوانين المحلية ولا الدولية، بل إنها سلطة رابعة تمتلك الحق في القيام بمهامها، بل الدولة نفسها سمحت لها بذلك، وأنشأت مؤسسات صحفية لتؤدي هذا الدور. مع ذلك تصنع من الصحافة جريمة، تعاقب الصحفيين بقانون لم يُكتب ولم يُشرّع إلا في غرف الأمن. يصنع النظام الثورة، الثورة على نفسه، حين يحرّم الصحافة ويحتكر المعلومة، ويكون عدوه الأكبر ليس الإرهابي الذي يلقي القنابل، ليس الإرهابي الذي يقتل المواطن المسيحي، ليس الإرهابي الذي يفجر الكنائس ويشيع الرعب في الناس، إنما الصحفي الذي يكتب مقالًا ينتقد فيه أداء السلطة، أو الصحفي الذي يكتب تقريرًا أو تحقيقًا يهدف الصالح العام طبقًا لقانون الصحافة. النتيجة الطبيعية لكل ذلك هو مجتمع صامت، مجتمع لا يعرف، مجتمع بلا معلومة. في هذه البيئة، حيث لابد أن يحدث شيء يحكيه الناس، أن تشاع الشائعات، أن تتكوّن منظمات سرية، أن تتحوّل الكلمات المقموعة إلى صراخ مزعج. ومن حيث لا تدري، تتحول نفس السلطة إلى سبب رئيسي في الثورة لأنها أساءت تقدير الأمور، لأنها انتزعت من المواطن حق المعرفة، وانتزعت من الصحفي حق الكتابة. وانتزعت من نفسها حق الاستماع والتقييم والإصلاح. تخلق السلطة مجتمع الصوت الواحد والزي الواحد، أو تسعى إلى ذلك، لكنها وأثناء ما تفعل ذلك، لا تنتبه إلى أنها تخالف الفطرة، كما تخالف القانون والمواثيق الدولية، تعود بالزمن إلى الماضي البعيد، لكن الزمن، كما نعلم، لا يعود. من بوسعه أن يعيد إلينا الأمس؟ من بوسعه أن يحجب المعلومة؟ ثم من يضره أصلًا نشر المعلومة؟ ثم ما نتيجة المحاولات المستميتة في حجب المعلومات وقمع الصحافة؟ أي دولة في العالم فعلت ما تفعله هذه السلطة ونجحت؟ هل نجحت الأرجنتين ودول أخرى في أميركا اللاتينية حين صادرت الصحف وقتلت الصحفيين؟ هل استقرت الأمور ودُجِن المواطنون في حظائرهم؟ هل نالوا سعادتهم؟ هل استراحت السلطة نفسها من المعارضة؟ كل المحاولات التي سعت لتكسير الأقلام وتدجين الشعوب باءت بالفشل، كل الشعوب المقموعة لم تختر الصمت ولا الخضوع، إنما اختارت الثورة، وعاجلًا أم آجلًا كانت تحدث. لا يختار الناس الثورة، لا يختارون الدم، لا يختارون التضحية بأنفسهم أو بأبنائهم، لكنهم يضطرون إليها، تدفعهم سلطة “ثورية” قررت أن تقطع ألسنتهم، أن تعاملهم كقطيع من الغنم، أن تدفعهم إلى هاوية الموت أو الصمت الأبدي، وهو موت أيضًا، أن تنتزع منهم ما خُلقوا به: الكلمة، اللغة، اللسان. وكلها مرادفات لكلمة واحدة هي “الحرية”. تتحول السلطة بذلك إلى مؤسسة كهنوتية، تدير أمور دينها بنفسها من داخل غرفها المغلقة، تصم آذانها عن أصوات الجماهير في الشارع، أصوات من يدفعون وحدهم ثمن قرارات لم يتخذوها، وسياسات لم يتفقوا عليها، وشكل حياة فُرض عليهم. تمنح السلطة لنفسها، بدون وجه حق، حبس المواطنين في كهف يشبه كهف أفلاطون، بلاصق على أفواههم. طريقة قديمة جاءت من زمن قديم ولّى وانتهى، تجربة أثبتت فشلها على مر التاريخ، كان يجب أن يمر بها المواطن الأوروبي مثلًا حتى يصل لشكل الدولة التي تحترم المواطن ورغباته وآراءه، حتى تحترم حرية الصحافة وتعتبرها صوت الجماهير، وتستغله للإصلاح. أدركت السلطة أنها مختارة كموظفة تقوم على الصالح العام، هدفها خدمة المواطن، لأن المواطن هو الوطن ذاته. سنوات طويلة مرت حتى أدركوا ذلك، حتى تعلموا أن السلطة ليست أبدية وأنها ليست أبًا يحق له الوصاية على الأبناء، وإنما جزء من المجتمع، تعمل على تحقيق الأمن بمعنى نزع الخوف وليس نشره. تعمل على سيادة القانون الذي هو الميثاق بينها وبين المواطن. والصحافة هي الوسيط، هي العين التي من حقها أن ترى وتنقد وتنشر المعلومة وتداولها، الصحافة هي إحدى المؤشرات الهامة على وجود دولة تحترم المواطن، وحريتها من حرية المواطن نفسه. والقبض على الصحفيين ومطاردتهم وحبسهم لن يحل أزمة نظام اختار لنفسه ألا يسمع صوت المواطن، لن يخلق الهدوء المتطلع إليه، إنما سيخلق العكس تمامًا، اختيار الطريق الآخر الذي لا أحد يحب أن يسير فيه، لأن فيه تهدر الأعمار وحيوات البشر. ما من طريقة أخرى للحكم إلا بفتح المجال العام، بحرية الصحافة، بحرية تكوين أحزاب سياسية تعمل في العلن، بمجلس شعب يراقب الحكومة ويسائلها، بهذا الجدل المجتمعي حول قرارات الحكومة ومناقشتها علانية. الدولة السرية لا تصنع إلا معارضة سرية، وفي السر يحدث ما لا يحب أحد أن يحدث. لأن كلمات السر تتحول إلى صراخ مزعج، سيصم الآذان حين ينطلق

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.