رقصة الزمن والتراب

إيمان الوراقي

في عالمي دائمًا أراني بحيرة تحت شمس دافئة..أتبخر على مهل ثمأتحول لضوء يملأ الأجواء يتغلغل داخل الأشياء، يسكنها..أرتاح لهذا الشعور.

أثناء زيارتي للمسافرين إلى أرض لا يعود منها أحد، كان لدي شعور مختلف.شعرت كما لو أنني نبتة تنتمي للتراب الذي أسير فوقه، انتماءً قويًا لدرجة أجبرتني على الجلوس كما الجميع، لا يفصلني عن التراب سوى التراب. كنت مرتاحة لهذا الشعور أيضًا.

شعور الرغبة في الإلتصاق بالتراب كان يلازمني أثناء تجولي في المقابر. وصلت إلى أول مقبرة بُنيت بالطين في الحقول منذ قرابة 150 عامًا، بعد اتساع القرية وكثرة أهلها..

المقابر الأصلية كانت تتوسط القرية، في منطقة  يطلق عليها الأهالي“هرميس”،  تحظى بحراسة مشددة يُمنع فيها الحفر والبناء، يُشاع أن بها آثارًا، يقوي ذلك ويعضده جذور القرية الرومانية والتي تعود للملك ” هُرمس”، ولراحة ما تطمئنهم أكسبه الأهالي لقب ” شيخ” فصار اسمه ” الشيخ هرميس“.

عند المقبرة الطينية الأقدم، وقف شاب أربعيني، يرتدي جلبابًا أبيض، ذو قامة نحيفة متوسط الطول، يحمل وجهًا دقيقًا ذو ملامح أسيوية عادية يمتلكها البسطاء عادة من أبناء قريتي.

كان تأمله غريبًا، بتلقائية وبدون سابق تعارف، أخذ يغذي استغرابي بالحكايات، ثم انتقد النظام الاجتماعي الحالي للقرية، تغير الشكل المعتاد للقرى من فن البناء، رؤية البعض للدين والعادات والتقاليد. كان متحدثًا متحمسًا، وكنت معبأة بالضجيج والأسئلة.

على التراب استسلمت مرة أخرى لرغبتي الملحة.. جلسنا أمام مقبرتين، المقبرة الطينية القديمة، تلاصقها أخرى حديثة ملونة. كان أثناء حديثه يمسك بغصن صغير يرسم زهورًا وأشكالًا هندسية، بينما كنت أرى المارة أمامي كواكب بألوان قوس قزح، تتساقط من السماء وتلتصق بالأرض تجلس نفس جلستنا، لا يفصلها عن التراب سوى التراب.

قال إن القرى أصبحت مسخًا، لا هي بالقرية ولا بالمدينة، الجميع يرتدي الجينز مثلًا!

قلت، هذا التطور الطبيعي للحياة، لكي تجاري متغيراتها وسرعتها لا يمكنك بأي حال التمسك بالقديم، ستندثر.ثم إن عاداتنا بالنسبة للعالم شخصية جدًا، ولا يمكنك تطويع العالم لشيء شخصي..وللجميع أيضًا عاداته، هل تستطيع أنت التخلي عن عاداتك الاجتماعية والدينية من ذبح البقر في الأعياد وتقديسه كما الهندوس؟

هل بإمكانك التسامح مع بناء دور العبادة غير الإسلامية كما تطالب بحرية بناء المساجد واحترام المسلمين بدول أوروبا؟ أكل الصيني للحشرات؟

بغير شعور سقط الغصن من يده قائلَا: هناك فرق بين المعتقد والعادة.

-لكنك تقدس العادة وتكسبها قوة العقيدة وسيفها فلا فرق. تذكر أن التراب الذي نلتصق به الآن التصق به غيرنا روماني وفرعوني وثنيين، ذهب الجميع وبقى التراب، حتى التاريخ نحاول اصباغه بصبغتنا الإسلامية.ما الذي يريد البعض إثباته بتلقيب ملك روماني بلقب إسلامي”، ولماذا؟

– إنها طبائع البشر، الصراع الأزلي على السيادة والوجود، أمريكا حاولت محو أعدائها بقنابل ذرية، عالمنا شهد مجازر من لدن آدم وحربين عالميتين، وحاليًا في صراع بارد يوشك أن يتحول لحرب عالمية ثالثة. ثم إنني سبق وقلت أن هناك فرق بين العقيدة والعادة!

العقيدة  وضعها غيرك، في ظرف اجتماعي وتاريخي وسياسي يختلف عن ما نحن عليه الآن، حتى المقدس من القول يمكن تأويله..يمكنك مثلا الاستدلال على حكم ما بآية قرأنية وعلى نفينفس الحكم بآية قرأنية أخرى..كل شيء محل خلاف وتأويل..

تحدثنا كثيرًا واختلفنا أكثر..أثناء ذلك كان هناك حوارًا خلفيًا يجريه عقلي، البشر يشبهون بندول ساعة الحائط، يتأرجحون يمينًا نحو جذورهم وفطرتهم، ويسارًا نحو انتماءاتهم وما يستلزمها، وعقارب الساعة تمر عليهم في طريقها عشرات المرات، يمر الزمن وهم يتأرجحون بين هذا وذاك بلا توقف.

لا يستطيع البندول الاستقرار جهة أي منهما، ولا سكون الوسط.. منطقة ” الموت” أو يوتوبيا، وهذه الأخيرة لا وجود لها، ولكن ماذا لو استعنا بالحداثة والعلم، واستبدلنا ساعة الحائط ذات الطراز القديم بأخرى حديثة بلا بندول ؟؟

أثناء رحيلي غادرني شعور الإلتصاق بالتراب، استعدت إحساسي بأنني بحيرة صغيرة تحت شمس دافئة تبخرها على مهل، ثم تتحولإلى ضوء يتغلغل بالأشياء يسكنها..

بينما كان الجميع حولي يصعدون إلى السماء ويعودون إليها كواكب مختلفة بألوان قوس قزح .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.