“مهرجان القاهرة”: يوسف شريف رزق الله ذاكرة السينما المصرية

كتبت: منى يسري

في لفتة تعكس عمق الحب والعرفان، أصدر مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الحادية والأربعين، البطاقة التعريفية السنوية لأبيه الروحي  “يوسف شريف رزق الله”، الذي رحل عن عالمنا قبل بضعة أشهر، بعد حياة سينمائية حافلة، تاركاً تركة كبيرة من الحب الخالص في قلوب كل من عايشوه ونهلوا من ثقافته وإنسانيته.

راهب السينما:

يمكننا القول أنّ يوسف شريف رزق الله كان علامة مفصلية في انتشار السينما المصرية عالمياً في ثمانينات القرن الماضي بشكل خاص، الذي حرص على وضع السينما، في مكانة عالمية، فكان أول من اختصّ التليفزيون المصري، بحوارات حصرية من مهرجان كان وبرلين وفينيسيا، وكذلك الأوسكار، مخاطباً بها المشاهد المصري، ففي ظل نقص الموارد الإنتاجية والتكنولوجية في ذاك الوقت، كان الراحل بمثابة”يوتيوب” البيت المصري، إذ لم تكن السينما العالمية تعرف طريقها إلى التليفزيون إلّا عن طريق برامجه المميزة، التي شكلت جزءاً كبيراً من التكوين الثقافيّ والفكريّ لأجيال متتابعة، بل جزءاً من ذاكرة مصر الثقافية والسينمائية.

حياة مفعمة بالشغف:

لم يكن يخطر ببال الطالب المتفوق دراسياً والذي ولد في حي غمرة بالقاهرة عا م 1942، أن يأتي في  الترتيب الخامس على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة، وتبددّ حلمه بالإلتحاق بمعهد السينما حديث النشأة وقتها، فالتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وتخرج منها عام 1966، وفي العام التالي التحق بالعمل في وزارة الإعلام بقطاع الإستعلامات، وما لبثّ أن انتابه الملل، فالتحق بدبلومة مهنية للعمل في التليفزيون، ومن هنا دخل إلى ماسبيرو، للعمل في قطاع الأخبار، حتى تقلّد عيّن رئيساً للتحرير، وفي كل تلك المسيرة لم تنقطع كتاباته السينمائية في الصحف والمجلات، ولم ينسى شغفه السينمائي الذي كانت أول بواباته”نادي السينما”.

نادي السينما وذاكرة أجيال ما قبل الإنترنت:

ارتاد يوسف باستمرار نادي القاهرة السينمائي، وكان يدير بعض الحلقات النقاشية مع الجماهير، وكذلك اللقاءات مع الفنانين الذين كانوا يتوافدون على النادي، ليقررّ أن ينقل هذا الحدث المقتصر على عدد محدد من الأشخاص، إلى كل بيت مصري، فبدأ برنامج نادي السينما على التليفزيون، وبدأ مسيرة برنامجه، التي امتدت ثلاثين عاماً، كان المصريون فيها على موعداً كل ليلة من يوم السبت، لمشاهدة فيلم أجنبي حائز على جوائز عالمية، ليعرض البرنامج عدداً يتجاوز 1500 فيلماً، ويكون هو النافذة الوحيدة، والأكثر شيوعاً لتلقي أجيالاً عديدة الثقافة السينمائية، يدينون فيها إلى ذاكرة الفن المصري المتجسدة في الأستاذ يوسف شريف رزق الله.

محطة جديدة:

ونحن على مشارف بداية الدورة الحادية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي ينطلق في العشرين من نوفمبر تحت اسم”دورة يوسف شريف رزق الله”، مما زاد من شجون النقاد والفنانين في مصر والعالم العربي للكتابة عن الراحل، الذي يعد من أهم ركائز المهرجان، والذي انطلقت دورته الأولى بعد حرب أكتوبر بثلاث سنوات أي عام 1976، ليكون بذلك أول مهرجان سينمائي دولي في إفريقيا والشرق الأوسط، وبحلول عام 1990 صدر تقرير الاتحادالدولي لجمعيات المنتجين السينمائيين، والذي أشاد بمهرجان القاهرة، وأحلّه في المرتبة الثانية كأهم المهرجانات الدولية، بعد مهرجان لندن، ويليه مهرجان ستوكهولم، والذي كان الراحل سكرتيراً فنياً له منذ عام 1987، حتىّ عيّن مديراً فنياً له في دورة أولى امتدت إحدى عشر عاماً (2000/2011)، ثم عاود الكرّة مرة ثانية عام 2017، حتى وفاته في يوليو الماضي، وينوب عنه الناقد الشاب”أحمد شوقي”.

من أرشيف التليفزيون:

قدّم  يوسف شريف رزق الله عدّة برامج تليفزيونية أشهرها نادي السينما، بالإضافة إلى باقة من أهم البرامج السينمائية في تاريخ التليفزيون المصري، حيث كان المعد لبرنامج أوسكار في 1980، ثمّ برنامج سينما في سينما، أمّا برنامجه ستار فقد خصصه للقاء نجوم السينما الأمريكية في منتصف الثمانينات، مثلت تلك البرامج طفرة ثقافية للعامة من الناس، فقد أدخل الثقافة السينمائية ونجوم السينما العالميين إلى كل بيت في مصر، قبل أن تغزوها شبكات الإنترنت، وفي وقت عزّت فيه سبل التواصل السلس كما في عصرنا اليوم، ما رشحه بقوة لتولي رئاسة جمعية الفيلم عام 1987 وحتى عام 1994، ثمّ اختير عضو لجنة تحكيم في أهم المهرجانات الدولية على رأسها مهرجان روتردام في هولندا، وميلانو ومونييليه، في تلك الفترة كان يعمل كرئيساً لقناة النيل الدولية، قبل غزو الفضائيات، والتي تركها عام 2002، ثمّ تولى منصب رئيس قطاع التعاون الدولي بمدينة الإنتاج الإعلامي (2007/2009)، حتى عيّن رئيساً للمهرجان، والذي كان على موعد مع تكريمه قبل وفاته بعدة أشهر، وقبل أن ينتصر عليه مرض السرطان، ليترجلّ عنا في الثاني عشر من يوليو 2019

اترك رد