القليوبي صديق الحياة: سينما الحب والامتنان‎

 

كتبت : منى يسري

بإمكان الفنان أن يقدم فيلما محكم الصنعة، وينال إعجاب الجمهور،  لكن أن تقدم فيلماً مفعماً بالحب ومطرزاً بالإخلاص، ليس بالأمر الهين، لكنّه يحلق بالجمهور عالياً، لدرجة تصل  أن تنسى أنك أمام فيلم سينمائي، لتتماهي مع القصة، وترفض أن تنفصل عنها حتى بعد أن ينتهي العرض.

كانت تلك المحبة الخالصة سر عذوبة فيلم”القليوبي: صديق الحياة”، للمخرج سامي محمد علي، وسيناريو الدكتورة سناء هاشم، أستاذ السيناريو بمعهد السينما، فالثنائي صنّاع الفيلم ليسا مجرد سينمائيين، بل هما من أقرب طلاب الدكتور محمد القليوبي، الذي رحل عن عالمنا في فبراير 2017، تاركاً خلفه إرثاً سينمائياً، إلى جانب كتاباته الإبداعية والأكاديمية، ومقالات في الصحف الكبرى، اشتبك فيها مع المجتمع المصري، الذي كان القليوبي عيناً راصدة له عن كثب.

المحبة تأبى الفناء:

لم يترك القليوبي إرثاً ثقافياً فحسب، بل إرثاً من الحب في قلوب كل من شاركوا في صناعة الفيلم، الذي عرض يوم الأربعاء 13 نوفمبر، في مركز الإبداع الفني بدار الأوبرا المصرية، وأنتجه المركز القومي للسينما، كرسالة حب وامتنان للأستاذ الذي أعطى وأغدق ومنح السعادة والحب لكل من حوله، فكانت تلك الفرصة لرد تلك العطايا إلى صاحبها، مبتعداً أن يكون مرثية أو بكائية لشخص فقدناه، فالفيلم الذي جمع بين مقاطع من لقاءات القليوبي في التليفزيون وصور أرشيفية له مع العائلة والأصدقاء، ومقاطع من فيلمه، ولقاءات مع 22 شخصية من الأهل ورفاق المسيرة، كان جرعة مكثفة من استعراض حياة ثريّة وربما استثنائية، لشخص لطالما وضع على الهامش، فالقليوبي عاش ومات مغرداً خارج السرب، ولم يسعى إلى مناصب، بل أنّ استعراض أعماله السينمائية تخبرنا أنّه مولع بما يعمل، وليس أستاذاً محترفاً فحسب.

أمسية في حب القليوبي:

بصور أرشيفية على شاطيء اسكندرية، استهل الفيلم صوراً للقليوبي طفلاً، برفقة أقرب إخوته السيدة ليلى القليوبي، وكذلك اللواء علي القليوبي الأخ الأصغر، اللذين يقصون حكايا مع صديق ومعلم وملهم أكثر من كونه أخاً لهما، مثقفاً متفوقاً في دراسته، التي التحق من خلالها بكلية الهندسة جامعة عين شمس، في ستينات القرن الماضي، وبالرغم من تخصصه الأكاديمي العلمي، لم ينسى شغفه بالسينما، فالتحق بالمعهد العالي للسينما، وحصل على بعثة أكاديمية إلى روسيا في ثمانينات القرن الماضي لينال درجة الدكتوراة، مكثّ فيها ست سنوات، التقى فيها بزوجته الروسية السيدة أولجا، وأنجبا ابنهما الوحيد رامي القليوبي، والذي كان أحد المتحدثين في الفيلم عن الوالد والصديق، الذي لم يملي على ابنه الإلتحاق بمعهد السينما كما تمنى، بل احترم رغبة الابن في العمل الصحفي والترجمة.

“هتعرفي تكتبي عني لما أموت زي ما كنت بكتب عن صحابي؟”، بتلك الجملة استهلت الدكتورة سناء هاشم، حديثها عن الراحل، معقبة أنّ ما قدموه في الفيلم لم يكن سوى محاولة منهم لاستعراض حياة أكثر ثراءاً من أن يحتويها فيلماً مدته 52 دقيقة، فالقليوبي الذي كان صديقاً لكل أهل السينما والأدب والموسيقى والشعر والفن التشكيلي، لن يكفي فيلماً ليقول أنّ”القليوبي كان وما زال هنا”، لدرجة أن ندوة الفيلم لم تدور حول العمل بقدر ما كانت سرد من محبيه لحكايات عنه، وكأنهم يصنعون بها فيلماً جديداً.

الهتيف..وأرشيف لم يكتمل:

رأس القليوبي الجهاز القومي للسينما، في عهد فاروق حسني وزير الثقافة السابق، وهكذا أتيحت له الفرصة أن يصنع أرشيفاً للسينما المصرية كما كان يحلم، ولم يكن يعلم أن تكون تلك معركته الأخيرة والأهم في حياته، فقد كان الوحيد الذي تصدّى لعملية بيع النيجاتيف في الصفقة الشهيرة التي منحت القنوات الخليجية، حق عرض الأفلام المصرية، وهو ما تصدى له القليوبي، حتى كانت الواقعة الشهيرة، التي صرح فيها فاروق حسني قائلاً:”أبحث للقليوبي عن مكان آخر”، فردّ عليه القليوبي في مقال آخر”يكفيني عملي كأستاذ”، فلم يكن القليوبي لاهثاً خلف المناصب، ولا عابئاً بها، ربما نعرف جميعاً أن حسني أقاله من منصبه، لكن ما روته الدكتورة سناء، إذ كانت جزءاً من الحدث، أنّه علم بقرار إقالته من الجرائد بينما كان في مكتبه في الجهاز، وهو ما أصابه بضيق شديد، حيث لن يتمكن من صناعة أرشيف أحلامه.

أثرى القليوبي أرشيف السينما المصرية والعربية بمجموعة هامة من الأفلام كان أولها”رحلة البحث عن محمد بيومي”، ونجيب الريحاني في ستين ألف سلامة، وأنا اسمي مصطفى خميس، الذي حكى فيه قصة إعدام خميس والبقري الشهيرة في عهد عبدالناصر، وبمطلع الألفية، تمّ ترشيح فيلمه الروائي الطويل خريف آدم لتمثيل مصر كأفضل فيلم أجنبي لجائزة الأوسكار عام 2002، وظل فيلمه الأخير”الهتيف” حلماً لم يكتمل النمو، رحل قبل أن يخرج للنور، بعد معاناته مع مرض السرطان، الذي انتصر على جسده، فتركنا راحلاً، لكنّه ظلّ حيًا في قلوب المحبين، تاركاً خلفه إرثاً لن يفني كونه جزءاً هاماً من ذاكرتنا الشعبية والوطنية.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.