“غافراس” يعيد أزمة اليونان إلى الشاشة “بكبار في غرفة”

كتبت: منى يسري

وسط احتفاء كبير وتصفيق حار من الجماهير المصرية، وقف المخرج اليوناني”كوستا غافراس، إلى جوار بطل فيلمه الأخير”كبار في غرفة”، الممثل”كريستوس لوليوس”، بعد العرض في إطار بانوراما الفيلم الأوروبي .

كبار في غرفة

استناداً إلى مذكرات وزير المالية اليوناني السابق والأكاديمي في العلوم المالية”يانيس فاروفاكيس”، والتي نشرت في كتاب عام 2017، تحت عنوان”كبار في غرفة.. معركتي مع المؤسسة الأوروبية العميقة”، يحكي فيها فاروفاكيس كيف صارعت اليونان حيتان الإتحاد الأوروبي، وأُخضعت بلاده لقبول الشروط المهينة لسداد الديون التي تراكمت بسبب سنوات الفساد وحكم العصابات الذي سيطرعلى اليونان منذ أواخر الثمانينات وحتى انتخاب حزب سيريزا اليساري“ائتلاف اليسار الراديكالي”، بنسبة 36%، بعد أن كانت نسب التصويت له لا تتجاوز الـ 5%، خاصة بعد اعتصام دام لأشهر في عام 2011، صدحت فيه الجماهير بأعلى صوتها بإسقاط النظام الفاسد، فالمواطنون قد توقفوا عن دفع الضرائب التي أثقلت كواهلهم، وهرب الجميع إلى خارج البلاد، ولم يكن أمام الأكاديمي اليساري ذو الخلفية الماركسية، سوى التصدي لهذا الكابوس المحيط ببلاده.

لم يكن فاروفاكيس عضوًا في سيريزا، لكنّه ترشح للإنتخابات على قوائمهم عام 2015، واكتسح كافة المرشحين ضده، لم يكن هذا الفوز الكبير بسبب تفاوضه على الديون فحسب، بل لإدراكه العميق بالأزمة التي تمر بها بلاده، والأزمة المالية العالمية التي تنبأ بها قبل وقوعها، فحذّر المؤسسات المالية عام 2006، من خطورة انكشاف البنوكالأوروبيّة المتزايد أمام المشتقات الماليّة الأميركيّة وديون العقاراتالمتضخمة على الجانب الآخر من الأطلسي، كل هذا وأكثر جعل فاروفاكيس رجل اليونان المنتظر، وعلقّ الشعب آماله على هذا الرجل، لكن الإتحاد الأوروبي أراد التنكيل بأحد الدول الأعضاء، ليكون عبرة أمام أي دولة في أوروبا أو خارجها، تفكر في الخروج عن المسار المرسوم لها، من قبل مؤسسات تدار بمباديء نيوليبرالية، لا تأبه بأوجاع الشعوب.

https://www.youtube.com/watch?v=U3aAyJKOSO0

حيتان أوروبا الجائعة

قدّم كوستا غارفراس والذي يقترب من إتمام عامة السابع والثمانين، رائعة جديدة تضاف إلى سجله الحافل بالأفلام السياسية، ففي عام 1969 قدم فيلمه”Zee“، الذي يحكي فيه قصة الحكم العسكري لليونان، وها هو يعاود الكرّة في 2019 ليخبرنا بما آلت إليه اليونان اليوم بعدما أخبرنا بالفاشية العسكرية التي حكمت بلاده، محاولاً إخراج مذكرات فاروفاكيس إلى النور بعد أن كانت نصاً أدبياً وفضفضات سياسية وأكاديمية، ويستهل الفيلم بأحداث انتخابات 2015، والإحتفاء الشعبي بالأمل الجديد الذي يجسده سيريزا، ثم تأتي المهمة الشاقة لوزير المالية، الشاب الذي يحمل حقيبة على ظهره، ويخرج لمنصبه الوزاري بدراجة نارية، أثار حفيظة حيتان الإتحاد الأوروبي الجائعة لأموال اليوناني، وذلك لبراجماتيته في المفاوضات، واستطاع غافراس إخراج البروتوكلات السياسية، ورجالها الجادين على الشاشات، إلى طاولة السخرية والضحك.

كان الألمان بشكل خاص، متعنتين في المفاوضات اليونانية، والغريب أنّ ألمانيا التي تتعنت اليوم مع شركاؤها، خرجت من الحرب العالمية الثانية بمديونية هائلة، لم تدفعها حتى اليوم إلى الدول المقرضة، تدور أحداث الفيلم في غرف مغلقة، من وزارة المالية الفرنسية والألمانية والإنجليزية، إلى قاعات الإجتماعات في مقر الإتحاد الأوروبي في بروكسل، فيما يشعر المتفرج بالخناق الدائر حول عنق الشعب اليوناني، ورجله المنقذ، الذي أخذ يصول ويجول بين دول الإتحاد الأوروبي ستة أشهر، حاول أن يمسك بورقة الخروج من الإتحاد الأوروبي والعودة للدرخما مرة أخرى، بالرغم من علمه بصعوبة هذا القرار، إلّا أنّه أمسك به كورقة تفاوض يقوم باستفتاء شعبي لتنفيذها من عدمه.

كل حلفاءك خانوك يا فاروفاكيس

يقدم الفيلم صورة حيّة لليلة الاستفتاء، التي جاءت بالنتيجة المرجوةلفاروفاكيس، فالشعب منحه تفويضًا لاستكمال مفاوضاته، بينما بدا التجهم على وجه رئيس الوزراء اليساري”أليكسيس تسيبراس”، الذي كان يتمنى أن تكون النتائج سلبية، خوفاً من انقلاب عسكري جديد، من اليمين المتطرف، الذي سيخضع لكل شروط الإتحاد الأوروبي، وينفذها فوق عجلات الدبابات، من بداية الفيلم يحمل فاروفاكيس الفارس اليوناني النبيل، استقالته في جيبه، لأنّه لن يقبل أن يكون طرفًا في خضوع بلاده للإتحاد الأوربي ، وهذا ما حدث، بعد الاستفتاء، وصوره المخرج في مشهد مسرحي راقص وساخر من كل تلك الأحداث المرهقة، خضع تسيبراس لشروط الإتحاد الأوروبي، وقدّم فاروفاكيس ورقته الرابحة التي أخرجها من جيبه بعدما استشعر الخذلان من رفاقه.

إلى يومنا الراهن يدفع الشعب اليوناني ثمن هذا التخاذل من اليسار الراديكالي، الذي أراد التفاوض مع أذناب رأسمالية مأزومة، منذ عام 2008، بينما تحاول البنوك العملاقة أن تسدد فواتير خسارتها من جيوب الفقراء في اليونان، لكن ما حاول أن يقوله غافراس وفاروفاكيس، أنّ اليونان ليست إلّا أحد تجليّات الرأسمالية المأزومة، وتنتظر أزمة جديدة، بينما لم تتعاف بعد مما أصابها عام 2008.

اترك رد