“لبنان” عندما مهد الفن الأرض..للتحرك

منى يسري

 

“ضرائب على تطبيق واتسآب”، كانت تلك الضربة القاضية لنظام طائفي يحكم الدولة اللبنانية منذ عقود، لم يكن يخطر له على بال أن تكون تلك الضرائب آخر مسامير تدق في نعشه، الذي تدق فيه المسامير منذ سنوات، اكتوى فيها الشعب اللبناني بنيران الطائفية والحرب الأهلية، ولم يستفيق منها إلّا والجماهير تهتف في شوارع كافة الضياع اللبنانية باسقاط النظام.

لكن ما غفلت عنه الأنظمة أن الحراك الشعبي أشبه بطبخة على نيران هادئة، ثم تؤكل مرة واحدة، ومنذ سنوات ليست ببعيدة، انتعشت السينما اللبنانية وراحت تصول وتجول في المهرجانات الدولية، ناقدة لهذا النظام الطائفي بشكل ساخر تارة، ودرامي تارة أخرى.

فيلم كتير كبير: 

في سبتمبر 2015 قدّم المخرج اللبنانيّ الشاب”ميرجان بوشعبه”، فيلمه الروائي الطويل الأول”فيلم كتير كبير”، في سرد درامي يقترب من الساعتين الغاية في السخرية المضحكة المبكية من النظام الطائفي الذي يحكم لبنان، يدور السرد حول فيلم يتم تصويره داخل الفيلم، بعد أن قرّر تاجر المخدرات اللبناني”زياد حداد”، ويقوم بدوره الممثل اللبناني”الآن سعادة”، إنتاج فيلم سينمائي ليقوم بتهريب المخدرات بداخل علبة الفيلم، والتي لا تخضع للكشف بالأشعة السينية، ثم يجلب صديقه المخرج السينمائي الشاب”شربل”، ويقوم بدوره الممثل”فؤاد يامن”، ليكتب الفيلم حول قصة شابة مسلمة وشاب مسيحي، يحاولان الفكاك من القيود الطائفية ليتزوجا زواجاً مدنياً، دون أن يضطرا الهرب إلى أوروبا.

يحاول البطل  تاجر المخدرات الإنتفاع من الظرف الطائفي الذي يسيطر على بلاده، فيفتعل تفجيرات للتغطية على عملية التهريب، ويستكمل استغلاله لها، فيتصدر نائباً للشعب في البرلمان اللبناني، ليدرك المشاهد لأيّ مدى تتوغّل الطائفية التي تجذّرت في البلاد لا سيّما بعد الحرب الأهلية، التي استمرت ستة عشر عاماً من القتل والتدمير، انتهت بلبنان مفتت على شفا الإنفجار في أي لحظة، فلم يكن بغريب على الفنانين اللبنانيين، أن ينضموا إلى الحراك الشعبي، ويكونوا جبهات لدعم المتظاهرين لتقوية الحراك ودعم مطالب المحتجين.

رابط : https://www.youtube.com/watch?v=h-1RvHzyfwc

أين تكمن الأزمة؟: 

في العام التالي من إصدار بوشعبه لفيلمه، قدّم المخرج اللبناني الأرمنيّ الشاب”فاتشي بولغورجيان”، فيلمه الثالث”ربيع”، والذي احتفى به النقاد، ووصفوه بربيع السينما اللبنانية، التي بدأت في السطوع مرة أخرى بعد استفاقة من حرب أهلية، انتهت بهرب صناع السينما، وغلق السينمات امام المشاهدين لسنوات طوال، ينبش ربيع والذي هو اسم بطل الفيلم أيضاً، في قضية الهوية والذاكرة الشعبية، التي طمستها الحرب الأهلية، فالبطل الكفيف والذي يقوم بدوره الشاب الكفيف”جبور بركات”، يذهب لاستخراج جواز سفره، ليفاجيء بأنّ أوراقه الثبوتية لدى الدولة مزورة، فأمه وأبيه وخاله المحارب القديم في الجيش اللبناني، ليسوا الأسرة الحقيقية له، مما يدفع ربيع إلى البحث عن حقيقة نسبه، يقدم الفيلم ربيع كمثال للبنان المفتت الباحث عن هويته ويضل سبيلها بسبب الحرب، ويأخذنا ربيع معه في رحلة البحث عن الأهل الحقيقيين، والذين ربما قتلوا على يد الخال المحارب القديم الذي تربى في كنفه وقدّم له الرعاية، والحقيقة أنّها ليست رحلة ربيع فحسب بل هي رحلة شعب بأكمله، تصدّعت هويته بسبب الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس في نفوس الناس قبل أن تحرق الشجر والحجر.

نال ربيع عدداً من الجوائز والتكريمات وكذلك احتفاء النقاد خاصة اللبنانيين منهم، الذين شهدوا مرارة الحرب وتأثيرها على هوية الأجيال الجديدة في لبنان المقسم طائفياً، بشكل لا مثيل له بين دول المنطقة، فربيع ليس شخصاً منفرداً بل هو شعب وبلد بأكمله، أفقدتها الحرب توزانها، وراكمت البنية السينمائية الناقمة والساخرة من الوضع غضباً شعبياً لدى الناس ينفجر في القضايا الاجتماعية، خاصة قضايا الأحوال الشخصية التي يعاني من طائفيتها نساء لبنان بشكل خاص؛ فقبل أيّام قليلة من الحراك الشعبي في لبنان، توفيت الناشطة اللبنانية نادين جوني، التي أثرت في الرأي العام اللبناني لسنوات، جراء حربها ضد المحاكم الجعفرية في لبنان، والتي تحرم النساء الشيعيّات من حضانة أطفالهنّ وهم دون سن الثانية، وكان موت نادين بعد 9 سنوات من الوقوف أمام أبواب المحكمة الجعفرية في لبنان شوكة أخرى في قلب الطائفية الهشّة التي قرر اللبنانيون هدمها في حراكهم الأخير.

رابط : https://www.youtube.com/watch?v=F2zAzS71BEU

اترك رد