حكايات الفائزات بـ”نوبل” من “سلمى لاجيرلوف” إلى “أولجا توكاركوك” (1-3)

نوبل للآداب.. للرجال فقط إلا قليلًا

 

كتب : روضة فؤاد

من السويدية “سلمى لاجيرلوف” التى كانت أول امرأة فى التاريخ تفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1909، إلى البولندية “أولجا توكاركوك” أخر الحائزات على الجائزة عام 2018، وبينهما 13 امرأة فقط سطرن أسمائهن بأحرف من ذهب في لائحة الحاصلين على جائزة نوبل للآداب، منذ بدأت الأكاديمية السويدية منح الجائزة عام 1901.

15 امرأة في مقابل 101 رجل، ورغم تلك النسبة القليلة، إلا أن كل منهن صارت اسمًا بارزًا فى الأدب العالمى، بإبداعهن الأدبى الذى تناول قصصًا واقعية، وأخرى خيالًا من وحى الواقع، حيث لعبت تلك الروايات دورًا في التمهيد لإصلاح المجتمع، وتشكيل وعى أفراده.

سلمى لاجيرلوف.. مبدعة “مغامرات نيلز المدهشة” التي وُضعت صورتها على العملة

لا تكمن أهمية هذه الروائية العظيمة فى إنتاجها الأدبى المتعدد والمتنوع فقط، ولكن الأهم إنها نجحت في تحدي كل الظروف التي واجهتها، لتصبح واحدة من أهم الكاتبات على مستوى العالم.

كان التحدى الأول الذى واجهته في سن مبكرة للغاية، حيث تعرضت لحادث في سن الثالثة، وقضت أربع سنوات لا تستطيع الحركة، وعلى الرغم من قسوة التجربة إلا أنها أتاحت لها الفرصة للاستماع إلى القصص والحكايات الخرافية والأساطير التي كانت ترويها لها والدتها.

عملت لاجيرلوف كمُدرسة لمدة عشر سنوات، حتى أصدرت روايتها الأولى “ملحمة جوستا برلنج” التي حققت نجاحًا كبيرًا، ولمع اسمها بعدها في عالم الأدب، لتترك مهنة التدريس، وتركز فقط على إنتاجها الأدبى.

فوزها بجائزة نوبل لم يكن أيضًا أمرًا سهلًا، فعلى الرغم من تميز رواياتها، إلا أن حصولها على الجائزة جاء بصعوبة، فقد رفض “كارل ديفيد اف ويرسن” الذي شغل منصب الأمين العام للأكاديمية لمدة 29 عامًا ترشيحها لمدة خمس مرات، إلا أنها في النهاية فازت بالجائزة، لتصبح أول امرأة فى التاريخ تفوز بالجائزة، ولم تكتف بذلك، بل أصبحت أيضًا عضوًا فى الأكاديمية السويدية عام 1914، ومن خلال موقعها استطاعت مواجهة العداء ضد الكاتبات النساء، وتقديم الدعم لهن.

تميزت روايات لاجيرلوف بالتنوع، فقد كتبت عن الطبيعة الخلابة في الريف، ورحلاتها للعديد من الدول ، والأساطير الشعبية التى كانت تسمع قصصها وهى صغيرة، ومن أشهر رواياتها “القدس” والتى كتبتها عقب قيامها برحلة إلى فلسطين، حيث أقامت فى القدس، وتأثرت بالأجواء الروحانية، وعقب عودتها كتبت تلك الرواية عام 1901، والتي تتناول رحلة مجموعة من الفلاحين إلى الأرض المقدسة في فلسطين، ومن كتبها الأخرى “امبراطور البرتغال”، و”كنز السيد آرنى”، أما أهم كتبها على الإطلاق، والذى حقق لها شهرة كبيرة فهو “مغامرات نيلز المدهشة”، ولهذا الكتاب قصة، فقد كلفتها هيئة المعلمين الوطنية بتأليف كتاب تربوى يثير الاهتمام بجغرافية دولتهم، فأمضت ثلاث سنوات في القراءة، والترحال، ودراسة تفاصيل الحياة، المناظر الطبيعية، لتصدر بعدها رائعتها الأهم التى تدور حول “نيلز” الذي عوقب بسبب سوء معاملته للحيوانات من قبل قزم المزرعة، فصار قزمًا صغيرًا، وأصبح قادرًا على التحدث مع الحيوانات والتعامل معها، ثم صار يسافر عبر اراضى السويد، ومن خلال هذه الرحلة يتعرف بشكل أكبر على دولته وجغرافيتها وتاريخها، وقد تُرجم الكتاب إلى أكثر من ثلاثين لغة منها اللغة العربية.

توفت لاجيرلوف عام 1940 عن عمر 72 عامًا، وقد تحول منزلها إلى متحف باسمها، كما وضعت السويد صورتها على العملة فئة الـ20 كورونا.

جراتسيا ديليدا.. زهرة سردينيا الجميلة التي ارتبطت أعمالها بموطنها الأصلى

ارتبطت بجزيرة سردينيا، استمدت من أحضان الطبيعة البكر التى تميز بها ريف سردينيا معظم أعمالها، كتبت عن أهلها، عن العلاقات الاجتماعية المتشابكة، عن قصص الحب غير المتكافئة.. الروائية الإيطالية “جراتسيا ديليدا” التي ارتبطت أعمالها بموطنها الأصلى، وصورت الحياة هناك بواقعية شديدة، فاستحقت أن تكون ثانى امرأة تفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1926، والإيطالية الوحيدة التى فازت بالجائزة الأهم عالميًا.

لم تعش ديليدا حياة سهلة، فقد ولدت لأسرة فقيرة، وتلقت تعليمها الأساسى حتى سن العاشرة، قبل أن تضطرها ظروفها الاجتماعية إلى ترك المدرسة، ورغم ذلك فقد تلقت دروسًا في اللغة الإيطالية، ليكتشف مدرسها نبوغها في الكتابة، ويشجعها على الكتابة في الصحف والمجلات، وتبدأ مشوارها الأدبي في سن الثالثة عشر.

“زهرة سردينيا” كانت أولى رواياتها الطويلة التي نجحت بشكل كبير، ولفتت الانتباه إلى موهبتها، لتقدم أعمالًا عديدة بعدها، أبرزها “نصوص سردينيا”، “سيدة كئيبة”، “الهروب إلى مصر”، أما أشهر أعمالها على الإطلاق فكانت رواية “الأم” التي يراها الكثيرون من أعظم الروايات التى تحدثت عن الأم، وتدور حول أم القسيس “باولو” التي علمت بعلاقة ابنها بأرملة جميلة، فطلبت منه قطع هذه العلاقة بشكل فورى، إلا أن عذاب ابنها جعلها تشفق عليه، وتشعر بانه مجرد ضحية للقانون.

بلغ عدد أعمال ديليدا نحو خمسين رواية ومجموعة قصصية أغلبها مستوحى من أجواء سردينيا.

سيجريد أوندست.. زولا العصور الوسطى التي قاومت النازية

ربما يكون أهم ما تميزت به أعمال الأديبة النرويجية “سيجريد أوندست” أنها كسرت التابوهات، وكشفت نفاق المجتمع في ذلك الوقت، وقد أثارت أعمالها أزمات عديدة وجدلًا شديدًا، إلا أن تلك الأزمات لم تنل من عزيمتها، وواصلت مشوارها الأدبي حتى أصبحت أول نرويجية تحصل على جائزة نوبل للآداب، وثالث امرأة تنال هذه المكانة العظيمة عالميًا.

ولدت أوندست لأب عالم آثار، وأم دنماركية تهتم بالأساطير والحكايات، وبسبب عمل والدها في تدريس الآثار في الجامعة، أصبحت مولعة بحضارة البلدان الاسكندنافية التي قرأت عنها في طفولتها، وهو ما سيؤثر في كتاباتها فيما بعد.

تعرضت أوندست لتجربة صعبة في سن الحادية عشر، حيث توفى والدها، واضطرت للتخلي عن حلمها في استكمال الدراسة الجامعية، بسبب تغير الوضع الاقتصادي للعائلة، فعملت كسكرتيرة لتساعد عائلتها، ورغم ذلك لم تستسلم لظروفها، فمع امتلاكها موهبة الكتابة، شرعت في روايتها الأولى”السيدة مارتا أولى” التي تتحدث عن الخيانة الزوجية، واستهلتها بعبارة صادمة في ذلك الوقت “كنت خائنة لزوجى”، فرفضتها دور النشر، قبل أن تجد طريقها للنشر بعد عناء شديد، وقد نجحت الرواية بشكل كبير، رغم الجدل الشديد الذي أثارته، ومن الروايات الأخرى التي أحدثت صدمة “جينى” الذى تناول فيه قصة جينى التي تتأرجح بين الإخلاص لزوجها والوفاء للحب، أما أهم رواياتها على الإطلاق فكانت ثلاثية “كريستين لافرانسداتر” التي حققت لها شهرة عالمية واسعة، حيث تدور القصة حول الفتاة  كريستين التي تتابع الروائية مسيرة حياتها، وما مر بها من أحداث ضمن أسلوب وصفى مشوق.

أطلق النقاد على أوندست لقب “زولا العصور الوسطى” لتعاملها مع الرواية والقصة القصيرة برؤية واقعية مثل الأديب الفرنسى “اميل زولا”.

كان للكاتبة النرويجية موقف شديد ضد النازية، فمع بداية الاحتلال النازى لبلادها، التحقت بالمقاومة، قبل أن تهرب إلى السويد ثم الولايات المتحدة، ولكنها عادت مرة أخرى للنرويج بعد الحرب العالمية الثانية، وقد حصلت أوندست على جائزة نوبل للآداب عام 1928، جينما كانت فى السادسة والأربعين من عمرها، وخصصت جزءًا كبيرًا من قيمة الجائزة لمساعدة العائلة التي لديها أبناء معاقون.

بيرل باك.. مبدعة “الأرض الطيبة” التي جسدت مأساة “الطفلة التى لا تنمو أبدًا”

“إننى لا أستطيع أن أتذوق السعادة إلا بكتابة الروايات، سواء قُرئت أم لم تقرأ، فإننى واحدة من أولئك البشر التعساء الذين لا يشعرون بأنهم يؤدون عملًا إلا إذا أُغرقوا في الكتابة أو التفكير فيما كتبوا أو الاستعداد للكتابة بشىء جديد”.. هكذا قالت “بيرل باك” الكاتبة الأمريكية المبدعة عن نفسها، والتى استحقت عن جدارة جائزة نوبل للآداب عام 1939، استطاعت باك من خلال عشرات الروايات أن تنل مكانة متميزة عالميًا، نظرًا لروعة أفكارها، وحبكة الأسلوب والسرد.

نجحت الكاتبة الأمريكية في نقل واقع الحياة الاجتماعية للمجتمع الصيني في ذلك الوقت، حتى أنها لُقبت بالكاتبة الصينية، بسبب استقرارها في الصين لفترة طويلة، حيث انتقلت مع والداها –اللذان كانا يعملان في التبشير- إلى الصين وعمرها 5 أشهر فقط، وأمضت باك معظم طفولتها هناك.

في سن الرابعة عشر التحقت بمدرسة لتعليم اللغة الإنجليزية، وبعد عامين سافرت للولايات المتحدة، والتحقت بمدرسة التعليم العالى في ولاية فرجينيا، حيث بدأت تنشر كتاباتها.

تزوجت باك رجلًا أمريكيًا، وعادت مرة أخرى إلى الصين، وأنجبت خلال إقامتها طفلتين، كانت إحداهما تعاني من قصور عقلي، وقد استلهمت من مأساة طفلتها روايتها البديعة “الطفلة اليى لا تحنو ابدًا”، ومن رواياتها الشهيرة الأخرى “الأرض الطيبة” التى صورت فيها الواقع الريفى للمجتمع الصينى في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

نالت باك جائزة بوليتزر عام 1932، ونوبل للآداب عام 1938 عن مجمل أعمالها، وخاصة رواية الأرض الطيبة، وتوفيت عام 1973.

جابرييلا ميسترال.. الكاتبة والشاعرة والصحفية التي كتبت عن الحب والموت

هى المرأة الوحيدة من قارة أمريكا اللاتينية التي نجحت فى الفوز بجائزة نوبل للآداب.. جابرييلا ميسترال الكاتبة والشاعرة والصحفية والمناضلة التشيلية التي آمنت بقضايا بلدها، ووظفت شعرها من أجل مواطنى دولتها.

كانت حياة ميسترال مزيجًا من الحل والنجاح والمعاناة، فقد عاشت في فقر شديد، وفي سن الخامسة عشر وجدت نفسها مضطرة لإعالة نفسها ووالدتها، ومع اكتشاف موهبته الشعرية ، بدأت تنشر أشعارها في الصحف المحلية.

في تلك الأثناء، التقت بشاب عامل قطار، وأحبته، واستمرت علاقتهما ثلاث سنوات، ولكنها انتهت بشكل مأساوى بانتحاره، وكان لتلك الحادثة تأثير كبير عليها، حيث بقيت حتى وفاتها تكتب قصائد عن الموت.

نشرت ميسترال 379 قصيدة، حيث كتبت عن الحب، الموت، الخيانة والأمومة، وبعد وفاتها تم اكتشاف 800 قصيدة أخرى، وبالإضافة للشعر، نشرت عشرات المقالات في العديد من الصحف والمجلات.

وفى عام 1945، وصلت لقمة النجاح والمجد بحصولها على جائزة نوبل للآداب، لتصبح أول امرأة من أمريكا اللاتينية تفوز بها.

عاشت الشاعرة التشيلية سنواتها الأخيرة فى نيويورك، وتوفيت عام 1957 بسبب سرطان البنكرياس عن عمر 67 عامًا، وبعد 9 أيام وصل نعشها إلى تشيلى، حسث استقبله مئات الآلاف من مواطنيها.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.